الفرسان الخمسة. (الجزء الخامس) والأخير.

مكتبة ملفتة للنظر ومؤلفات ضخمة في الطب. وصورة عائلية كانت قد ركنت على أحد الرفوف الخاوية. عيادة أنيقة تطل على شارع يضج بحركة سير تسمع أصواتها من النافذة المسدل عليها ستائر مكتبية.

كان يوسف يرى لكن لا يبصر!. أصبح كطفل لا يتعلم. يجاوره أخيه في زيارة دورية للطبيب.

الطبيب الشاب القادم مؤخراً من فرنسا وبيده قلم أزرق فرنسي كان قد تآكل غطاءه بفعل العض!. وأمامه حاسبه المحمول بلغة فرنسية يشغل أغان فرانكفونية ومتصفح الانترنت على صورة احدى مريضاته مستلقية على السرير بعبثية متقنة برداء خفيف وهي التي أضافها كونه طبيبها على أحد الشبكات الاجتماعية. يضغط “لايك” بانفعال ويصحح جلسته باتجاه يوسف وأخيه ويلوح بالقلم قائلا:
– شوف يوسف. أمرك معقد لكنه بسيط. دعني أشرح لك. لقد تدهورت حالتك بسرعة جنونية قياساً على غيرك من نفس التشخيص. وهذا ما يؤكد نظريتي. أن فقدانك للذاكرة هو ضياع وصلات وليس موت خلايا.
– كيف يعني؟ يرد الأخ.
– في الحالة الطبيعية تموت خلايا الذاكرة ومعها كل شيء. أما هنا فكافة التحاليل تشير أن الخلايا بصحة وعافيه لكن الوصلات قد تآكلت. أو قطعت!.نسمي ذلك فقدان ذاكرة. وعادة يتم تكوين ذاكرة بديلة. أما مع  يوسف! فقد تم استبدال القرص الصلب بالكامل عبر قطع الكبل. ويوميا يعاد قطع الكبل وهكذا يبقى بدون ذاكرة! علما أن القرص الصلب مستمر بالكتابة لكنه عصي عن القراءة!.

- والحل دكتور؟!.
– والحل. الحل. يتمتم بالكلمة وقد انهمك بمتابعة الردود والتعليقات على الصورة ويحرك باصبعه على وسادة اللمس الخاصة بحاسبه الحضني القديم نسبيا وكان بامكان يوسف وأخيه رؤية انعكاس الشاشة على نظارته…يهمهم.. الحل. الحل. وقد كتبت مريضته تعليق: دكككتوووررر… اشتقتللللك.. فيبتسم ابتسامة خبيثة ويضغط لايك بانفعال مجدداً. ثم يعيد النظر إلى يوسف وأخيه وهو يبتسم ويقول: الحل يا حبيبي. بدنا نبدل الكبل..

عفوا الأعصاب!.
– ربما صورة. ربما أغنية. ربما طبخة تستفز ذاكرته المخبئة لاعادة وصل نفسها. هكذا ببساطة.. خلي أملكن بالله كبير.

يخرج يوسف وأخيه من العيادة المكيفة إلى جو حار من أيام شهر آب سنة 2015!. كان الوطن يلملم أشلاءه ببطىء كعجوز تجمع أشلاء أشجار تناثرت فيكل مكان لتعيد جمعها وترتيبها وحزم ما تفرق منها لتستعملها في اشعال نار تشيع الدفء والأمل وربما لتطبخ عليها بآن واحد.

يدخلان إلى المنزل فتسارع والدته إلى الاستفسار وهي تمسح يديها بمنديل بعد خروجها من المطبخ فيهز أخوه رأسه بالنفي. تمتلىء عيونها بالدمع حسرة على شباب فلذة كبدها.

تعود المطبخ وهي تحبس دموعها. تشهق من هول المشاعر وتنهار بنوبة بكاء حاد. ما معنى أن تقف أمام ابن لك دون أن يتعرف عليك. لا يذكر شيء من حياتك معه. تصبح أنت مجرد جسد يقف أمامه لا قدرة له على تمييزه. كيف يكون الشباب بدون ذاكرة. كيف الطموح بدون ماض! كيف الحياة بدون انطباعات!. يرى الطيور في السماء بقع بيضاء تسبح في محيط أزرق.

والدته كانت تؤمن أنه بخير. وأنه سيخرج من هذا المرض منتصراً. لا بل ترصد أي حركة منه وتفسرها على أنها استعادة للذاكرة.

كانت تعتني به بشكل لا يصدق وتكوي ثيابه وتعلقها له في الخزانة على أمل أنه سيتحسن غداً وسيرتديها للذهاب إلى جامعته كعادته. تفتح باب غرفته وتطل عليه كوجه القمر: أعملك كاسة شاي؟.

ينظر يوسف إلى أمه بعيون فارغة. يريد أن يعرف من هي ولماذا تقف هكذا!. يرفع كراس صنعه له أخيه. يقارن الصور ويقول لها: نعم ماما بالطبع!.

تهز رأسها بألم وغصة. وتغلق الباب.
يوسف يتحرك بلا هدف ولا غاية أمضى سنواته الأخيرة كمراقب لا أكثر!. كاسفنجة امتصت كل السوائل من حولها دون امكانية عصرها من جديد!..يجلس في غرفته المكدسة بالكتب والعلوم والمعارف التي سدت كل معالم الغرفة. يجلس أمامها كغريب عنها وعن عالمها.

***

على مسافة من البحار والجبال وفي مدينة ميونخ الألمانية تقف مرتدية فستانها الأسود هناك أمام نافذتها التي تنفتح على مشهد ليلي لمدينة تلتهب بالحياة. “ميادة عازفة البيانو الشهيرة نجت من محاولة الانتحار بعد أن تعرت أمام الجمهور وأصابها انهيار عصبي!”. عنوان عريض لجريدة محلية قصت باتقان وعلقت على الجدار ضمن اطار خشبي فخم.

يرن هاتفها فتمسكه بلهفة وترد بلكنة ألمانية. تغلق الهاتف وتمسك مفاتيحها وتخرج من شقتها.

كان يوسف صديق طفولة ميادة. الحيط ع الحيط كما يقال. يسكنون حياً متوسط الرفاهية. مما دفع زين إلى حث يوسف للبوح بكل ما لديه عن ميادة. كان يجلس معه على مقاعد الدراسة ويلكزه بقدمه إلى أن يبتعد عن مجال رؤية ميادة. التي عشقها حتى أصبح يتنفس اسمها. زين أصبح كمتلصص على طفولة ميادة من خلال قصص وحكايا يوسف. بطغيان العواطف والمشاعر لم تتمكن ميادة من صده وهي نفسها لم تتمكن يوماً من تحديد حقيقة مشاعرها تجاه أي ذكر!. إنها تعشق الذكور!. بكافةأنواعهم وأشكالهم و… أطوالهم.

سفينة بلا مرافىء تمخر عباب البحر وتغير راياتها تبعا للظروف. تحمل في قلبها عشق وحساسية مرهفة للحياة!.

عندما فتحت عينيها في المشفى ظنت أنها في العالم الآخر! لكن اللكنة الألمانية أعادتها للواقع عندما تقدمت منها الممرضة وقالت لها: نجوت بفضل حارس الأمن. الحياة جميلة وأنت جميلة!. جالت بنظرها في أنحاء الغرفة وعادت للنوم.

تنظر إلى “صديقها” الجديد. الحارس الأمني الذي أنقذها وهو يقود السيارة إلى حفلتها التي ستتوجها بمقطوعة موسيقية أسمتها “الأندلس!”. ينظر إليها بامتنان وهو يتابع تركيزه على الطريق ويسألها:
– ما قصتك والشمس؟. أرى أنك اعتمدت عليها كرمز لبطاقات الدعوة.
– عدا الشمس التي على كعب قدمي? قالتها وقد أزاحت شيئا من ثوبها كاشفة عن بياض فخذ يكوي من يتجرأ عليه بناره.
– فضحك عالياً وهو يضرب المقود. مكرراً السؤال. لا. حقاً ما قصته؟.

- الشمس تشرق لأنها شمس يا صديقي..

كانت ميادة تكرر على مسمعه ما قاله لها زين.


فيما مضى هناك على سرير شهد ليلة صاخبة والشمس بدفئها تفضح وتطهر كل جزء من غرفة تطل على البحر المتوسط الذي يلعب كطفل صغير في صباح صيفي بين أقرانه من المحيطات العملاقة.

هناك كان يتأملها بشغف وشعرها الأسود بتجاعيده الحقيرة يسترسل بوقاحته على خدها وصدرها المفعم بالخطيئة.

تنامين كعاهرة وتستيقظين كملاك! قالها زين في نفسه. أمسك قدمها ووضعها في حضنه وبدأ يخط دائرة تشع منها خطوط متعرجة كتجاعيد شعرها!.

تستيقظ منزعجة!. وتسأله باستفزاز:
– ما بقا تحل عن إجري!. هلكت عضامي مبارح. تركني نام!.

ينظر إليها باستخفاف ويتابع الرسم بهدوء. وهي تنظر إليه بفضول مبتسمة لأن هناك من يقدس أقدامها!.

- عندما انتهى. نهض وأمسك بقدمها وسحبها بقوة فخافت وضحكت وقال لها: من هنا تشرق الشمس!.
– سألته وهي تصحح جلستها وقد حاولت النهوض: لماذا الشمس زين؟.
– أجابها وقد اقترب من وجهها. وهمس همساً: لأنها تشرق بدون سبب كل يوم بعد الظلام لتمنح الدفء والأمل لجميع الناس دون أي تفريق. الشمس هي العدل والحرية والحياة. الشمس هي أنت!.

الشمس ليست ملك أحد!.

هكذا انطلقت تمزق رايات علقتها في غرفتها وصور من كل الأحزاب والألوان بعد خروجها من المشفى ووصول خبر اغتيال رامي إليها!. جن جنونها وهي تقفز وتمزق وتبكي أسباب انتماءها!. كلهم مجرمون. حمقى. مستبدون. لكننا عميان لا نبصر!. جلست تبكي وتضرب الأرض بيدها من قهر يعذب روحها. شعرت بأنها خدعت مثل رامي حين وضع جل اهتمامه على الخروج من سجنه ظناً منه أن الضوء الذي يتسلل من النافذة آت من عالم فيه بشر سينجدونه.

خرج فلم يجد أحد غيره!. خدعته النافذة!.

تحسست الرسم الذي وشمته على قدمها ليبقى خالداً على حد قولها. وسكتت ثم لفظت كلمات زين: أنت الشمس!. لا يملكك أحد. لا تنتمي لوطن أو حزب. تعزفين لأنك قطعة موسيقية. لا فضل لأحد عليك. أنت شمس تشرق اليوم وغداً وإلى الأبد!.

وصلت إلى وجهتها وقد شكرت”صديقها” وقفت لحظة قبل دخولها. ثم استمرت بالمشي. ودخلت صالة مهيبة وسط تصفيق حاد. فالحادثة الأخيرة منحتها شهرة تفوق الخيال كعازفة أشهرت ثدييها في وجه العنف الذي أكل بلادها!.
أمسكت المايكروفون بخبرة شديدة!. وقالت:
– مقطوعتي هذه اسمها الأندلس تيمنا بحضارة بلادي المشرقة هناك!. وهي المقطوعة الثالثة من ألبومي “نبض الشام”!. حيث ان بلادي أول من صدر الحرف والموسيقى. لكن اليوم. اليوم قررت أن أسميها “شمس” بدلاً من أندلس.

***
والد خالد كان قد أعاد فتح متجره رغم الخراب والدمار وجعل مستودعه مستودع محروقات من البنزين والمازوت المهرب. فتجارته رائجة هذه الأيام. لا أحد سيشتري التحف واللوحات بعد الآن!!.

كان يوسف وأخيه يجولان بالمدينة عسى ولعل تخترقه ذاكرة المكان. يفتح المتجر فيخرج أبو خالد مرحباً. يضم يوسف كابن له. يجلسان ويوسف لا يدري شيء ينظر من حوله بنظرات فارغة لا تستطيع استرجاع ولو حفنة من الذاكرة وقرصه الصلب يسجل دون كلل أو ملل.

عادا لمنزلهما الكائن في بناية متهدمة في كثير من أجزاءها كشاهد حي على ضراوة المعارك التي استباحت المدينة رغما عن أنف أهلها!.

نادت والدته بفرح على أخيه! احذر من هاتفني قبل قليل؟.
– أبي؟
– اشمئزت من ذكره وهو الذي هجرها والأولاد هكذا فقط لأنه يأس من الحياة!.
– من؟.
– ميادة.. وقد أشاحت بنظرها باتجاه يوسف عله يذكر صديقة طفولته.
– جربنا كل أصدقاءه القدامى. لم يذكر أحدهم!.
– جرب.. لن نخسر شيئا وقد مدت يدها بالهاتف والرقم.

فأمسك وطلب رقمها. شرح لها بعد الترحيب والاستفسار عن أحوالها حال يوسف صديق طفولتها ومرر له السماعة.

- يوسف! ألا تذكرني؟. جاء صوتها كطنين من الحنين آت من بعيد.
– يرد يوسف بطريقة آلية: هل من المفترض أن أذكرك؟.
– ألا تذكر أيام البحر ومغامراتنا الأولى! مقاعد الدراسة وشغبنا!. آه لحظة قالت وهي تقلب بصور على حاسبها المحمول وتابعت: كنت أقلب في صور زين على الشبكة وإذ بصورتك تقف فيما يبدو في قبو؟ هناك ومن خلفك صورة دون كيشوت يحارب الطواحين وقد كتب زين:”يوسف يلق خطابا” مؤرخة بتاريخ 29 أيلول 2007. ألا تذكر!. يوسف؟.
– يرد ببساطة. لا. وأبعد الهاتف عنه لكن أخاه أصر عليه أن يتابع المكالمة.
– تابعت ميادة كمن يستنزف محاولاتها. أحقا! أتنسى فارس الشمس!. لقد أخبرني زين عن قصة الفرسان الخاصة بكم. هيه أيها الفارس ألا تذكر؟.

- اجتمعت كلماتها… أيام الدراسة. مغامراتنا.. أيها الفارس.. دون كيشوت.. فارس الشمس!. فكانت سهما حارق أذاب الجليد عن خلية واحدة من مليارات الخلايا. هناك قاطع قد تم وصله. فبدأت الخلية بارسال اشاراتها نبضة تلو الأخرى. كاسرة الجليد من حولها وحول شقيقاتها. تضاعف عدد الخلايا وكل واحدة تنبض بعنف متزايد وبتزامن واحد. مما شكل ليوسف صداع. رمى سماعة الهاتف بعيداً ووضع يديه على رأسه. دخل غرفته وجسده يترنح بدوار فتل غرفته من حوله دون أن يفتل. الكتب من حوله بدأت تدور. وأصوات يسمعها وصور تتوالى وكأنها تضرب جسده بمطرقة ضخمة. ومع نبض مليارات الخلايا معاً. تتوهج الأعصاب وهي تبني أو بالأصحتستعيد طرقها القديمة. سبع سنوات من الذكريات! من الصور والأصوات يتم حشوها وإدراكها في لحظة. كانت موجودة بلا فهرس. كلمات ميادة شقت طريق في ذاكرته أجبر دماغه على قراءة كل ما وصل إليه وفهرسته. فكان من هول الألم أن بدأ الصراخ ووجهه قد اعتصرته الأعصاب. وبدا عرق بارد على جبهته. وقع على قدميه وهو يضع يديه على رأسه محاولاً ابطاء تدفق البيانات وأخوه ووالدته يتصلان بالطبيب. صرخ وسقط مغشياً عليه.

عندما استيقظ كان يوسف قد استعاد ذاكرته بشكل كامل مع كل ما مر به. لا بل كان يدرك حالته ويدرك كيف كان يتصرف!.
استعادت العائلة عافيتها وابتهجت لعودة شبلها من جديد. لكن يوسف كان يشعر باحتقان. سأله أخوه عن ما إذا كان يدري ما حل بأصدقاءه الفرسان فهز يوسف رأسه بالايجاب دون أن يتكلم. دخل غرفته وشغل الحاسب وهو يتذكر آخر دقيقة تكلم فيها مع زين مطالبا إياه بتمرير الجوال إلى مراد!.

فتح محرك البحث وأدخل كلمة”Syria” ببطىء ومع كل حرف تظهر له مقترحات البحث. مجازر سوريا. حرب. قتل. خراب. جثث. طائفية. كراهية. قطع رؤوس. أطفال.. ثم “Enter” وبدأت البيانات تظهر برعب وتتدفق بإجلال من صور وفيديو ومقالات وصفحات! عبر تسلسل زمني فريد. كان يدرك الصور لكنه بحاجة لتأكيدها. وضع كفيه على وجهه خجلاً مما أصبح تاريخه!.

وصلته رسالة محادثة من ميادة فرد عليها بالشكر. طلبت الاتصال فرفضه!. فاستفهمت؟. فأغلق الحاسب وخرج. كان قد شاهد ميادة قد تعرت بالكامل في أحد المسارح. فشعر بالغيظ من هذه المرأة التي بلا مرفأ!. تتعرى عندما تتعرض لأي مشكلة!. تنخم وبصق في الشارع!.

دخل متجر سمان تديره جارتهم الأربعينية والتي يعمل زوجها في الخارج فتسترزق من المتجر وتمض وقتها كونها بلا أولاد!. فتذكر كيف كانت تسحبه للغرفة المجاورة وتستغل عدم امكانية تذكره لشيئ. تبتسم وتضع له الأغراض بخجل وتسأله: أحقا تتذكر كل شيء الآن؟. فنظر لها بقرف وقال: اطمئني.. وعاد لمنزله.

أي قرف هذا الذي يحدث. أي جنون حل بهذا العالم. شعر باحتقار ذاتي أضعفه. تباً للذاكرة في زمن كهذا!. فأغلق غرفته وهو يسترجع صور وطنه وأصدقاءه. أي زمان هذا!. تتعرى فيه نساءنا وتنكح على الملأ!. شعر بجوفه يتحرك ويموج. ذهب للحمام وتقيأ. حتىخرج دم معدته. مسح فمه وقد جحظت عيناه واحمرت من قوة الاستفراغ. خرج فكانت والدته بانتظاره بقلق وقالت: هذا من البرد. قلتلك تغطى بالليل. رح نصير بتشرين يا عيني.

نظر إلى التقويم فكان 30 أيلول 2015. اليوم موعد الفرسان. اليوم اللقاء. في الساعة العاشرة عند متجر أبو خالد للتحف الفنية. اليوم!.

تذكر أن متجر أبو خالد يغلق هذه الأيام عند الساعة السادسة ولا يبقى أحد في الشوارع. وتذكر أنه مستودع للمحروقات. نعم يوسف.. إنه يتذكر!.

جهز نفسه عند الساعة التاسعة وجلس في مقابل صورة للفرسان في أحد رحلاتهم. متكاتفين والكل يحدق في الكاميرا بعيون تروض المستحيل وبهمة لا ترضى بالقليل.

لكن!…

قاربت الساعة التاسعة والنصف. حزم أغراضه. ووضع الصورة في جيب قميصه مقابل قلبه. دخل على غرفة والدته وقبل جبينها وهي نائمة. وقال في قلبه: سامحيني!. وخرج..

كان يدرك تماما ما عليه فعله. قاربت الساعة العاشرة. فك أقفال درابية المتجر وكسر زجاج الباب وفتحه. وبسرعه أمسك بغالون بنزين ونزل القبو الذي كان مليء بالمحروقات ورش المكان حتى البلل وجلس يحدق في الفراغ حيث كان خالد ورامي ومراد وزين. هنا كانوا! وقد رحلوا!. وسيأتي غيرهم.

انها سنة الحياة. فليكن إذن. أمسك القداحة. وبدأ عبثا باشعالها فلم تعمل. ورائحة البنزين تزكم الأنوف وهو وكل جسده مبلل بالوقود!.

جلس هناك ينظر إلى ما حدث. وقال: انها اشارة من الفرسان. نعم نعم انها اشارة من الفرسان. ونهض وبدأ يرقص ويدور ثم بدأ بضحكة مكتومة فخرجت عالية وانتهت بقهقهة هزت سكون الليل!.

لم يكن يدري أنه برشه البنزين أفزع الفئران فهربت عبر الشقوق والجحور وأحدها في علبة كهرباء وأثناء حشر الفأر لنفسه في العلبة. اصطكت الأسلاك واستمرت الشرارة فأشعلت المكان بثواني والتهمت كل شيء بدقائق.. وحدث انفجار ضخم أعاد للحي أمجاده!.

يوسف وأثناء رقصه شاهد الفأر يحشر نفسه لكن لم يتوقع شرارة كهرباء. وعندما اندلعت النيران شعر بالخيانة!. شعر بالغدر!. شعر بأن أحدهم اغتاله!.

استحالت دنياه لعالم آخر. صحراء شاسعة ومن بعيد بدا فرسان كل على فرسه الأصيل يتقدمون إليه. ياه هذا زين بدرع وترس مرصع برسم الشمس. وهذا رامي وخالد ومراد. الجميع هنا. فلوح بيده صارخا: أهلا بالفرسان. أهلاً!.

وصلوا جميعا بطلة مهيبة ووهج يكللهم. كان مراد قد رفع خوذته ومن على فرسه قد قال مقهقها:
– شو يا تافه بدك تقلدني!.
نزل رامي عن صهوة حصانه ووضع سيفه في غمده واقترب  من يوسف قائلاً: بنزين يا عرص! انو من أهبل فاقد للذاكرة لصانع حرائق!.

نظر يوسف إليهم وقد اغرورقت عيونه بالدمع. أخيراً الجميع هنا في الميعاد. اخوته. فرسانه. محاربيه. أبطاله. هنا من حوله.

تقدم خالد وقد استدار مراد إليه وقال: أنت دائماً متأخر يا عبيط!. رد خالد: كنت عم ظبط شعراتي!.

ضحك الجميع وصهلت الفرس فأمسك لجامها زين وربت على رأسها قائلا: أرجو أن لا نكون قد تأخرنا عليك يوسف!.

رد يوسف وهو يمسح دموعه: لا.لا. أبداً. أنت دائما على الموعد. لكن. لكن. أين فرسي؟.

خالد: لم نأتي لنأخذك معنا. جئنا لنودعك!.

مراد: القدر جمعنا اليوم لأننا كنا قد نوينا سابقاً فعل ذلك.في هذا البرزخ. ما تنويه حقاً تصنعه!.
رامي: عليك بالخروج من هنا يوسف. لم يحن أوانك بعد!.

مد زين يده وأمسك بيد يوسف وقال: اصعد يا صديقي سألقي بك على ضفاف زمانك!. وشد على يده واختلطت الصور وفتح يوسف بصره على ميادة وهي تضغط على يده بفرح يشوبه الدمع وقد غصت وهي تقول: لا هيك كتير! رجعتلك ذاكرتك وهلأ طالعتك من الغيبوبة!.
ابتسم يوسف والحروق تغطي جسده بعنف. كان قد دخل غيبوبة دامت أسبوع. وقد حلف الجيران أغلظ الأيمان أن أربعة رجال يرتدون زي غريب جروه خارجاً!. وصلت ميادة على أول طائرة عند سماع الخبر. من يدري ربما قررت أن ترسو علىمرفأ جديد!.

اقتربت منه ميادة وهي تمسك يده المحروقة وهمست في أذنه وكأنها تزوده بنسغ الكون: يوسف الحياة جميلة. امتصها حتى نخاعها. فانها تستحق أن تعاش. كن شمساً. تشرق حتى آخر اشعاع في حياتها!.

نظر إليها بعينيه وأشار لأن تقترب منه فاقتربت بقلق وأصاخت السمع فهمس بصوت مجروح: هذه الحياة…عاهرة!. وقبض على يدها بامتنان.

***

…أطل فارس الطلعة الحزينة دون كيشوت مثخناً بجراحه معفر بالغبار كعادته من الصورة التي كانت مكانها ثابتة في القبو المحترق! خلع ترسه وخوذته الورقية وطلب من سنشو أن يأتيه بقربة الماء من زوادة حماره الأصيل!.

جاءه سنشو بالماء وشربها دون كيخوته دفعة واحدة. مسح فمه بطرف كمه وتمدد على الأرض المتفحمة المغسولة منهكاً يستريح بعيداً عن عالمه!.

- زعيم؟! سأله سنشو وهو يمد بساطاً على الأرض ينفض الغبار عنه ويركز جلسته.
– ماذا تريد يا سنشو؟.
– أكنت تدري حقا ما سيحل بهم؟.
– نهض دون كيخوته مستنداً على مرفقيه وأجاب: بالطبع!. لكنني لم أشأ اخبارك. ضحك باستخفاف أنا وحدي بذكائي توقعت ما سيفعله القدر بهم.

- لكن..لكن لماذا يا زعيم؟ لماذا!؟.
– آه يا سنشو متى ستبدأ التفكير بأكثر من بطنك!. وقد رمقه بنظرة احتقار على كرشه الكبير.
– ضحك وهو يضع كفيه على بطنه وقال: أنا هكذا يا زعيم. أحب الطعام ولا أفكر إلا به. بدون التفكير أكون سعيداً. لا هم ولا غم!.
– هز كيخوته برأسه ضاحكاً وحرك يده مؤكداً. نعم. نعم. هكذا أنت بالفعل!.
– إذا يا زعيم؟ لماذا فعل القدر بهم ذلك؟ لأنهم ليسوا فرسان حقيقيين?. لقد لاحظت ذلك. إذ ليس لديهم أحصنة ولاعشيقات ولا درع ولا ترس!.

- لا يا سنشو.. لا. انهم فرسان حقيقيون..لا بل أبطال قل نظيرهم. نهض صاحب الطلعة الحزينة وقد تجمد الدمع في مقلتيه. وقال بصوت رخيم خبر الحياة بمرارتها وتوجه إلى حيث كانت الطاولة المستديرة وقال: لديهم يا سنشو من النبل والشهامة والأخلاق ما يجاري فرسان الطاولة المستديرة بذاتها!.

- تربع سنشو ونظر بعين طفل تبحث عن اجابة وكأنه يسمع قصة أسطورية وسأل:إذا؟.
– سنشو عزيزي!. لقد أخطأوا خطأي أنا. نعم. لقد وقعوا فريسة قدر مشوه.. انهم فرسان حقاً يا سنشو. لكن..
– لكن ماذا يا زعيم!؟.
– صمت برهة وكأنه لم يعد قادراً على كتم السر وقالها مرة واحدة: .. لكن.. لكن هذا ليس بزمانهم!. هذا ليس زمن الفرسان!.

- زمن ماذا إذن؟.

- نظر إلى سنشو بغضب وقال ششش… أخفض صوتك!.
حمل أغراضه وقال لسنشو.. هيا بنا لقد تأخرنا..
– تونا استرحنا يا زعيم!.
– تحرك يا سنشو…
– حسنا حسنا..

- تمت -
November 15, 2012 at 11:40am حررت في

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 528 other followers