الفرسان الخمسة. (الجزء الرابع).

وسوم

,

جسدي منحوت من قبل فنان عظيم. أنا تحفة إلهية!. تقولها ميادة بغرور واثق وخبيث. تمسح بيديها المبللتين جسدها العاري أمام المرآة وتلامس نقاط ذكرى كانت أماكن لقاء بينها وبين أصابع زين الشيطانية التي تفك الأزرار بمهارة وتصل هناك مباشرة لتبدأ لعبة الشد والرخي!. ميادة عازفة البيانو المحترفة. متوسطة الطول نحيلة وممشوقة الجسد. الشعر بسواده الصارخ الفاجر الوقح! شعر طويل ومجعد تجعيدات تدرك فيها أن مع ميادة كل شيء لف ودوران ولا خطوط واضحة. بعيون كبيرة تتلألأ تحت ضوء النهار. بيضاء لدرجة تشعر بأنها شفافة تغريك لأن تقطف ثمارها المحرمة التي تكشف عنها بين الفينة والأخرى بانحناءاتها الكلاسيكية ونضارتها الشرقية!.

بأناملها التي تعزف بهم على أوتار الجسد. فالبيانو جسد كما كان يقول لها زين وهما ملتحمين في السرير فتبدي امتعاضها وترد من تحت الغطاء وهي مشغولة ببث الروح بوتر أرهقه كثرة الشد. ترد بأن البيانو روح!. يسحبها إليه فتخرج بضحكة مكتومة يقترب منها ويقول: هو الجسد وأنت الروح!.

زين صديقها منذ أيام الدراسة وهو من شجعها ووقف معها دائما في علاقة غير مفهومة! ترفع يديها المبللتين وتضغط بهدوء على مفاتنها وتعصرهما بلطف كما كان يفعل دائما فترتعش بلذة تاريخية تتكرر من ماض سحيق!.

تشعر بالبرد فتلف نفسها بالمناشف وتمسح بخار الماء عن المرآة لتطيل النظر في نفسها وتقول لفارسها الراحل: اشتقت لك!.

تخرج من حمامها الكائن في شقة متواضعة في مدينة ميونيخ الألمانية وتبدأ بتنشيف شعرها. ومن بعيد تضيء شاشة حاسبها اللوحي بطلب اتصال من برنامج المهاتفة. فاتجهت إليه وبلمسة من أنامل عازفة البيانو تفتح اتصال فيديو مع رامي الذي يدرس في ذات المدينة رسالة الدكتوراه في علم الشبكات الضوئية وما يمكن أن تحمله من أحلام وأفكار!.

ترد عليه بمرح: أهلاً!.
– هذا كثير ميادة. لم أتوقع أن أراك يوما بكتفيك العاريين!.
– إذا لا تنظر! الحق علي قبلت اتصالك.
وترمي الحاسب اللوحي على المنضدة بشكل جانبي فيستمر الاتصال والكاميرا ترصد أرضية الغرفة.

تتحدث ميادة بصوت عال وهي تتابع ارتداء ملابسها. فيظهر لرامي قدميها العاريتين تتخلصان من المنشفة ويلفت نظره وشم الشمس على كعبها الأيمن.
– لقد اقتربنا من تشرين الأول يا صديقي.
– أتقصدين مهرجان البيرة وحدائقها هنا!. دعيني من ذلك ميادة!. ما يحدث في الوطن يجعلني أتقيأ يومياً.

تقوم بارتداء سروالها الداخلي المطعم برسوم الياسمين!. فيضرب رامي وجهه بحسره!.
– تميل ميادة إلى الكاميرا وقد ارتدت كنزتها القطنية وقالت بخبث: إلام تنظر يا أزعر!.
– إلى وشم الشمس في الحقيقة. ذكرني بفارس عرفته من ماض بعيد.
– تبدل وجه ميادة إلى حزن وأسى. وقالت كمن يكلم نفسه: كنت أود مفاجأته به. لكن.. لكن اغتاله الوطن قبل أن أتمكن من ذلك!.
– لقد كان حادث ميادة!.
– تمالكت نفسها وقالت بانفعال .. كان يرفع قدماي عالياً ويقول من هنا تشرق الشمس!.
– حسناً!.. يبدو حديثك شيق لكني أشعر بالانزعاج من سماع تفاصيل علاقتك بأعز أصدقائي.
– ان كنت تشعر بالانزعاج فلماذا طلبتني!.
– ممم سؤال جيد!.
– حتى تصل لاجابة فكر مجدداً. (قالتها بغضب). خلال شهر موعد حفلي في صالة أكبر متاحف ميونخ للوحات الزيتية.وليس حفلاً البيرة. كن هناك.
– سأحاول.
قطع الاتصال…

رامي وقد أغلق حاسبه بغضب وانسحب لسريره مساءلاً نفسه لما اتصلت معها؟! كيف كان زين يتحملها؟!. فيواس نفسه.. ليس لنا سوى بعضنا في هذه الغربة. ترتجف يداه ويشعر بموجة برد لفت جسده وكأنه يسقط وحيداً وكم هو ضعيف وعاجز فيتكور في سريره ويبدأ نوبة أنين واهتزاز مرددا: “ليش جبتني ع الحياة! لشو هل المسخرة لشو!؟”. يبكي ويغفو وينام.

… يصعد على درج خشبي بسرعة. فهناك من يلاحقه. يشعر بأصواتهم يقتربون. يلهثون. أيدي وأرجل ترتفع وترتفع تود أن تمسك به وأنهار من الدماء تسيل على الدرج. يتابع الصعود فيسمع قهقهات مراد من أحد البيوت. يخلع الباب فيجد نفسه في حديقة منزل زين وكأنه في الفجر والسماء محترقة ورمادها يغطي المكان!. آه هنالك غرفته يصعد الدرج المؤدي فيستحيل نهائياً يحاول الصعود لكن عبثاً! يشاهد غرفة زين وهو بداخلها يتحرك بين مكتبته وحاسبه المحمول.يحاول الصراخ لكن شيئ ما ثبته وضغط على صدره. يشعر بحرارة أنفاسه على وجهه. يستجمع قواه ويصرخ ملىء حنجرته ويستيقظ على وقع أقدام جاره في السكن الجامعي وقد دخل الغرفة.

يمسح عرق جسده. ويقول لقد كان كابوساً لعيناً. ثم ينظر لجاره ويسأله. كيف دخلت؟!…
– لقد كان الباب مفتوحاً. هل أنت متأكد من أنه كابوس. أنا متأكد أنني لمحت أحدهم خرج من غرفتك بسرعة قبل أن تصرخ بقليل.

ينظر رامي بدهشة تشوبها رعب وقلق ويقول بعد أن نهض من السرير وأمسك بقنينة الماء ليشرب. مسح طرف فمه بكمه وقال نعم لقد كان كابوس. شكراً لك.

***

يرن جرس الباب بالحاح شديد في صباح خريفي وصوت ميادة يلعلع من الداخل “يالله يالله”. تفتح الباب وتتفاجأ برامي!. ترتبك قليلاً ثم تدعوه للدخول.
– يندفع باتجاهها ويضمها قائلا: انهم يحاولون قتلي!.
– هي متفاجأة ترد من؟.
– لا أدري.
– البركة أعداءك كتار. ما تركت حدا إلا ونجرته.
– لا أستطيع إلا ع قول الحق!. ميادة هذا ثمن جرأتي!.
– انك تنام على راية بنجمتين وتستيقظ بثلاث! أي حق!.
– ماذا طبختي اليوم!.
– أنا! أطبخ! ههه انك تحلم.
– أريد أن أعرف فقط ما كانت طبيعة علاقتك مع زين؟!.
– تستدير إليه وتقول له: إذا كنت تريد المحافظة على صداقتنا لا تتطرق إلى هذا الموضوع أبداً!.
– أتحبينه! سألها رامي.
– نظرت إليه بصمت!.
– اني لا أستطيع النوم. قال رامي كمن يدلي باعتراف.

الكوابيس تلاحقني!. البارحة استيقظت على كابوس من يخنقني. فأكد لي جاري أنه شاهد أحدهم!.
– عليك مواجهة مخاوفك. أن تتحدى رغباتك!. ردت ميادة.
– أريدك الآن! هنا!. قال رامي متحدياً!.
تتفاجأ ميادة من ذلك لكنها تقف مكانها في حين يقترب رامي من شفاهها. فتبتعد وتشيح وجهها بعيداً. يسألها فترد: لا تقبلني. افعل ما تشاء. لكن لا تقبلني!.
يشعر بدناءة موقفه ونبل موقفها. يعتذر مجدداً مبرراً اضطراباته ويقول لها انه الثلاثون من أيلول 2013! من المفروض أن نجتمع جميعاً في القبو لكنهم رحلوا جميعاً!. إلا يوسف!. آه يا يوسف ليتك رحلت ولم تعش لتكون بلا ذاكرة!.

تعاطفت معه ميادة وطلبت منه البقاء. سأحضر عشاء لذيذاً!.
– ظننت أنك لا تطبخين.
– لن أطبخ! سأطلبه لك ردت وهي تمسك الهاتف لتطلب احدى الوجبات من المطاعم العربية المنتشرة في المدينة.

جلس رامي مدققاً بالمنزل بانتظار وصول العشاء. اقتربت منه ميادة بعد أن أغلقت سماعة الهاتف لتتابع نظره فسمعته يقول:
– حقاً ميادة ما رأيك فيما يحدث..قالها وهو يشير لها بأن تجلس.
– جلست واسترخت بجانبه وقالت: أنت تعرف رأيي مسبقاً. أنا لم أقتنع بشيء. ما أراه نفاق بنفاق وأنا أفضل الشر الصادق علىالخير الكاذب!.
– ما تقصدين!. رد بحدّة مطالباً بتوضيح أكثر.
– قل لي ماذا تنتظر من مغتصب الأطفال ان هو رأى طفل يجلس في حضنه!.
– أن يغتصبه?!.
– ضحكت ميادة وقالت! تقولها وأنت متساءل أيضاً. تماماً!. لا بل سيمزق أحشاء الطفل المسكين أيضاً. لأنه مغتصب أطفال وهذا بالضبط ما تتوقعه من مغتصب للأطفال.

الآن ماذا تنتظر من رجل دين يجلس طفل في حضنه. وهو ذات الرجل الذي سمم سمعنا بخطبته ضد من يغتصب الأطفال وما سيحل به!.

حرك رامي رأسه معارضاً:
– أهذا هو تحليلك للموضوع! أنت هنا تساوين بين الضحية والجلاد. كان قد لف زراعه على رأسها وقربها من صدره. كانت قد ترددت قليلاً لكنها استجابت له بأن منحته حرية امتلاك جسدها.

زال التوتر بينهما للحظة ومدت يدها تداعب شعر صدره بهدوء وتنظر إليه بطرف عيونها الكبيرة: لا أعتقد أنني أساوي بينهما تماماً فإن سياسة بيع الشعارات وأكل الحلاوة بعقولنا مستمرة ثم على المستوى الفردي نعم أنا أساوي بينهما! على المستوى الكلي لا أعتقد.

- أبعدها قليلاً وقال وهو يصحح جلسته لكن ميادة نحن سنموت مرة واحدة أيعقل أن نموت مرتين! مرة بالقهر ومرة بالدفن! علينا مواجهة مخاوف التغيير ومجابهة السقوط لنقف من جديد. قد تبدو فوضى لكن سيخلق عالم جديد منها!.

- ضحكت بغنج وقالت: ممم انك تثيرني وأنت تتحدث بحماس كالماسونيين!. اقترب دعني أزيل عنك الفوضى الخلاقة فتشده إليها ليفتح الأزرار والأسرار!.

يستيقظ صباحاً وهو مستلق شبه عار بجانبها. يشعر بالندم والعار. يلملم أغراضه ويكتب رسالة ويخرج.

كان قد أخذ قرار لا رجعة عنه. بدأ يوضب أغراضه وقرر العودة إلى الوطن. يجب أن يواجه مخاوفه. هذا ما كتبه في رسالته لميادة التي اتصلت به محاولة ثنيه عن قراره وصاحت به: أنت مجنون لترمي رسالة الدكتوراه هكذا! ماذا يمكنك أن تقدم غير علمك لوطنك!.

- يأتيها صوت فارس قرر أن يواجه مصيره. ميادة شكراً. أتمنى لك التوفيق في حفلك.لكن لم أعد أطيق النوم. فأصوات الأمهات الثكلى وأطراف بشرية وعيون ودماء تلاحقني. تريدني أن أكون معها!.
– سكتت ميادة. وردت بهدوء:
لا أحبه!
– ماذا عن ماذا تتحدثين!.
– سألتني ان كنت أحب زين. وها أنا أقول لك!.

لم أحبه يوما كعشيق. كان صديق لطيف أغرقني بعواطفه فلم أجروء على كسره أمامي!. لم أجروء على مواجهته!.

اذهب رامي. واجه مصيرك.
– ضحك رامي وقال بألم: لقد خسرنا الكثير ودفعنا ثمن باهظ ولا أدري ما المقابل. يجب أن أكون هناك لأدخل هذه الفاتورة.

رصده أحد جيرانه يوضب أمتعته. فتقدم وسأله. فرد رامي أنه يود العودة إلى الوطن. صافحه وقال له تابع تفاصيل رحلتي على الفيسبوك!.

نظر إليه جاره وهو يبتعد ثم توجه إلى حاسوبه وكتب رسالة وجهها إلى جهة اتصال “الزعيم” فيها تفاصيل كثيرة!.

***

الحفل بعد أسبوع عصراً قبل مغيب الشمس. ستطلق ميادة لحناً قديماً جديد. عملت مع متحف دمشق وخبراء موسيقى على مدار سنوات لفك طلاسم رقم كتب عليه نوطة موسيقية. كان والدها خبير بعلم الآثار قد انتفض سعيداً عند قرارها السفر لاستكمال دراساتها الموسيقية وضمها قبل الوداع قائلا أبهيريهم!.

ميادة ومنذ وفاة زين دخلت حالة ضياع لا توصف. ومنذ اندلاع الأحداث في وطنها انسحبت ونأت بنفسها وتابعت حياتها كأن شيئا لا يعنيها. كلما أرادت النقد وجدت نفسها تنتقد الجميع وتخسرهم فتفضل أن تصمت.

اتصلت مع والدها تبحث عن من يدعمها. فرد من الوطن الذي يئن من وطأة الموت. كانت قد انحسرت حدة الاشتباكات مقابل زيادة أعمال الخطف والاغتيالات.
– بابا؟
– نعم حبيبتي؟ كيف أنت؟.
– بعد أسبوع سأطلق ألبومي الأول.
– مبروك.. كم نتمنى أن نكون معك يا حبيبتي.
– حيث أنتم بأمان يجعلني أشعر بالدفء. كونوا بخير جميعاً.

أغلقت الاتصال وانسحبت لغرفتها تشعر بحزن عميق يحفر شرخاً في صدرها تسند ظهرها للباب وتنزل رويداً رويداً حتى الأرض وتجهش بالبكاء المتواصل وأنين أنثى سورية فقدت كل شيء في لحظة انتصار تشعر بالارهاق وتغفو حيث هي!.

***

في غرفة رطبة مهجورة تفوح منها رائحة الدم والعفونة كان قد علق هناك! خلعوا عنه لباسه وانهالوا عليه بالضرب المبرح والشتائم دون أن يدري. حاول أن يقاوم لكن الجسد ضعيف. تأوه وبكا بمرارة وهو يترجى أن يقفوا!. علقوه هنا كما تعلق الذبائح!. وهو يحاول أن يفهم أي جهة اختطفته!. فراياتهم هي ذاتها التي انتصر لها طوال شهور. وصاح بأنه معهم! هل كان ذلك فخ!.

اختطف رامي من على طريق المطار بكمين كان يعلم بالدقيقة موعد وصوله. فرامي عند كل محطة كان ينشر خبر عن نفسه أنه وصل لهنا أو هناك. ولم يدر أن أحد أصدقائه كان قد بلغ عنه منذ مدة!.

مرت أيام لا يدري عددها حتى فتح الباب وأنزلوه وانهالوا ضرباً ورفساً به وهم يأخذونه إلى المحقق!. جلس رامي أمامه وبدا ضعيفا مقهور ومظلوم. نظر إلى المحقق تفاجئ من الرايات والاشارات!.

لفت نظر رامي شباك يتسلل الضوء منه يكشف عن أبنية سكنية. فأصبح شغله الشاغل كيف يتجاوز الباب للخارج.

أنت رامي العلماني الكافر اذن!؟.
– يفترض بكم أن تكونوا التغيير!. شعر رامي أنه مع أشخاص لا مزاح معهم فأدرك أن نهايته قريبة وقرر أن يبوح مابصدره.
– أجب بنعم أو لا وكان أحدهم قد وجه له ضربة خلعت فكه وطارت أسنانه وهو مكبل على كرسي وسط الغرفة.

نظر مجدداً إلى الشباك والضوء يتسلل منه..

- أين ميادة لتضحك على هذا المشهد! قالت له يومها ان من يقتل الأسرى لن يأتي بالعدالة وصرخ رامي بصوت مزلزل: أنا معكم أيها الحمقى. منذ بداية التغيير وأنا أشد عليكم!.
رد المحقق باستخفاف! لكن… نحن… لا نريدك معنا!.

سلم المحقق ورقة إلى مساعده وبدأ بتمسيد ذقنه الطويلة وهو يتابع الورقة حيث وصلت إلى نظر رامي الذي دقق فيها بعين متورمة والدم يقطر من فكه. وقال: شاهد الورقة أليس هذا ماكتبته؟.

- نظر رامي بدهشة من طعنه من الخلف!. نعم أنا من كتب ذلك!. اعتدل بجلسته المحقق وخبط بيده بقوة على الطاولة وقال: من سمح لك برسم خطوط التغيير يا أيها اللوطي السمج!. نحن من نقاتل على الأرض وشريعتنا هي التي ستسود. أمثالك جراثيم يجب التخلص منهم حرصا على نقاء التغيير أنت وأمثالك مندسون على المستقبل!.

تصرفوا به… قالها كمن أصدر حكم الاعدام. وجاء اثنان يفكوا وثاقه. وشعر بأنه قاب قوسين من النجاة. قدماه لا تحملناه لكن كل ما عليه أن يتجاوز الباب البعيد في صدر الغرفة إلى الخارج وهناك سيجمع الناس لينقذوه!.
***

بدأت حفلة ميادة وهي في قمة قلقها. تمالكت نفسها وبدأت بالضغط على مفاتيح البيانو لتطلق نبض الشام. نبض وطن احتضن أول أبجدية في التاريخ!.

أنت الروح وهو الجسد.

دوت الأنغام ببطئها وتواترها مولدة الحنين إلى خيبات وطن!.

الحنين إلى أطلال ذاكرة.

***

أمسك أحدهم شعر رامي الطويل وقال له شو يا حلو لمين هل الشعرات وشده بقوة فارتمى على الأرض. سمع صوت ساطور يخرج من غمده وشهد أحدهم يفتح الباب. فاستجمع قواه. لا سبيل إلا الهرب واندفع بقوة عبر الباب صاعداً ممر ودرج خشبي في نهايته باب. فتح الباب فوجد حديقة منزل تهدم سورها شعر بأنه شهد هذا المشهد من قبل!. اندفع وهو يصرخ عبر زقاق فرعي. واستمر بالنزول حتى طريق دولي امتدت على يمينه ويساره الأبنية المتهدمة وآثار الحياة المسحوقة.

اقترب من الطريق الذي يعرفه تماماً! طريق حلب-دمشق الدولي… شاهد جسر التحويلة وقد استحال ركاما وقد خلا من كل شيء حي! إلا الأعشاب التي نبتت من شقوقه معلنة انتصارها.

انها قرية أشباح كانت تضج بالحياة ولا أحد هنا الآن!.

من خلفه كان الزعيم قد أبعد رفاقه عنه وقال وهو يقهقه اتركوه! أين سيذهب! تركه يذهب جيئة وذهاباً غير مصدق ما يشاهد. توقف قليلاً. فاستل الزعيم ساطوره ورماه من بعيد بخبره ومهارة. اخترق ظهر رامي حتى صدره!. لم يتفاجىء رامي وهو يتأمل نصله البارز من صدره. انهار على ركبتيه والدماء اختلطت ولعابه وسالت على طرف فمه يطيرها الهواء.

أسند يديه على الأرض وهو يشعر بدوار يسحب روحه من جسده. قبض على حفنة من التراب لكن خارت قواه وسقط على ظهره يشاهد أصابعه ترتخي قبضتها على تماماً.

***

وصلت ميادة لخاتمة حفلها وقد تبدلت عواطفها وغالبتها الدموع والشعور بالانكسار. توقفت ولم تستطع أن تكمل.أغلقت غطاء البيانو وسط دهشة الجمهور واتجهت للمنصة تنظر بصمت وحرقة إلى جمهورها الذي اضطرب وبدأت أصوات الاستفهام وعلامات الحيرة بادية عليه.

بدأت بفك أزرارها وخلع ثيابها!. اتجه أمن المسرح لينزلها فقاومته بعنف وبينما حاول اجبارها على النزول استلت منه سلاحه بخفة!. تراجع الجميع تحت تهديدها!. وصرخت ابتعدوا! لا تختبروا صبري!. بكت وصدرها يعلو وينخفض  أسفل ثيابها الممزقة منذراً بنوبة هلع. نظرت إلى الحضور الذي اختفى تحت المقاعد وقالت لا مبالية: لا جدوى من شيء. بنبض الشام أو بدونه. وحركت المسدس لتطلق النار على نفسها في الوقت الذي قفز فيه حارس أمني ليصدها. دوت الطلقة! واستحالت الذاكرة لبياض شديد!.

***

اعتاد رامي على الطعنات من الظهر!. وتلك كانت الأخيرة. تعب من كل هذا الصراع وكل ما يريده الآن هو أن يستلق.

وسقط الفارس على ظهره مبتسما لطائرة سفرية على ارتفاع شاهق ترسم خطاً أبيض بسلام وفي داخلها طفل أجنبي نظر من النافذة وسأل أمه: أهذه سوريا!؟ فردت بسخرية: أوه لا يا عزيزي! هذا ما بقي منها!.

يتبع…

November 8, 2012 at 11:33am

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 530 other followers