مدونة علوش

أفكار من كل لون

قصة الحضارة!…

تبادل ثقافي!..

- كيف ذلك!؟ كلامك غير طبيعي!.
- تقصد غير منطقي! قالها وفمه مليء بلقمة ضخمة من الفلافل بخبز الصاج مع كامل الاضافات فخرج صوته مبهما بفتات الخبز والصلصة!.
يفتح غطاء قنينة العيران بفمه ويستل أيضا بفمه “شلمونة” من الكيس ليضعها في القنينة ويشرق دفعة من اللبن لتزيح الطعام إلى معدته.

يستريح قليلا!. ثم يخرج زفيرا مزعجا.. يصحح من جلسته ويرفع نظارته الجديدة التي اشتراها من شارع اسكندرون بمبلغ زهيد.. يرفعها فوق أنفه ويتابع وهو يلوح بيده الممسكة بصندويشة الفلافل لتسقط منها قطع من البندورة وفرافيط الفلافل على أرض حديقة المارتيني قرب جامعة حلب!. ويقول: كما أقول لك! إنك مفرط في الأفلاطونية حتى فقدت قدرتك الجنسية!.

- يرفع صديقه شعره الطويل كي لا يدخل فمه وهو يهم بقضم شطيرة البرغر بالبصل والجبنة والبيض مع صلصة الخردل وقطع من الخس وبجانبه علبة البيبسي الباردة وعلبتين من البطاطا المقلية “فرنش فرايز” الشهية المدللة بكريم الثوم ورشقات من الكتشب الحار. وما إن وصل الحديث إلى فعالية خصيتيه كان قد تحسسهما باطمئنان ونظر إلى رفيقه مقاطعا إياه ويشير له بيده بأن يصبر حتى ينتهي من لقمة البرغر ومن خلفها مباشرة كرعة من البيبسي ثم يقول بتوتر مدافعا عن نشاطه الجنسي: يا عزيزي لا تقترب من عدتي كي لا أضطر لتجريبها لك!.

- لما انفعلت هكذا!؟ أتنكر أنك أفلاطوني في علاقتك مع حبيبتك؟. ويتابع شرق اللبن.
- أنا لا أستطيع تصور أنك تتخيل حبيبتك جنسيا!. هذا مقرف!. إنني أعتبرها ملاك ولا أود تلويثها بالجنس!.

- هع! قل لحبيبتك ذلك وسنرى إن كانت سترضى بحبيب مخصي!.
- ها قد عدنا ثانية! ويتابع قضم البرغر. إنك غير طبيعي! غير طبيعي بالمطلق!.
- لا ثانية ولا أولى! إن مفهومك بالحب خاطئ..

كانوا في باحة الحديقة تحت سماء نيسان الجميل والأشجار تغربل الشمس لتصل أصفى وأنقى أشعتها إلى روادها.. وعلى كرس مقابل كانت آلهتان تعبثان بشعرهما وتضحكان ضحكات مكتومة تصححان من كسرات ثيابهما بتمسيد يخلب الألباب..

تنظر احداهما إلى ما لديها من امكانات ثم تسحب نتف من الصوف الشاذ عن كنزتها الزرقاء التي تشع دفء في وجه أواخر نسمات الربيع الباردة..تربت على كتفها صديقتها بأن تتفحص الشابين الجالسين ووجبات طعامهم السريع في متناول يديهما منهمكين بحديث مكتوم تخرج منه من حين لآخر كلمات مثل “غير طبيعي” و “لا لا”… تضحك الفتيات وتستمران بالتحديق.

يتابع أخونا في الفلافل: حبيبي إن الحب المفصول عن الجنس كوردة بلا ماء!.
- آه يا صاحب الخبرات والتجارب! يرد رفيقه ساخرا..
- يزيح ورقة الفلافل لتتيح له فرصة قضم المزيد ويقول: لماذا تسخر! أنا أتكلم بجدية. وإن كنت بلا تجارب!. أنظر!. على الصعيد العاطفي والحب الأفلاطوني إن كنت تتخيل جنسيا شخصا آخر غير حبيبتك فأنت تخونها!.
- يتشردق بالبيبسي فيبصق.. ويسعل.

من بعيد الفتاتان تبديان قلقهما! ترفع إحداهما صوتها بجرأة.. طولوا بالكن طولوا بالكن.. ثم تضحكان بسخرية.. لكن لا يسمعانهما.

يستدير إلى آكل الفلافل.. وبيده آخر قضمة من البرغر يلتهمها بعنف ويرد! أي حماقة هذه! خيانة! يا زلمة تتكلم وكأنني زير نساء!.. أنا أرسم صورة نقية لحبيبتي وأنت تريدني أرقص عاريا معها وبندول ساعتي يتدلى من حولها!..

- يتابع شرق آخر دفعة من اللبن ويكوم ورقة الفلافل ويرميها بالكيس ويقول: أتعلم أن الأنثى تسامحك على الخيانة الجسدية لكن لا تسامحك أبدا على الخيانة العاطفية! عكس الرجل تماما..

- من قال ذلك! يسأل باهتمام وهو يغمس اصبع البطاطا الذهبي المقرمش بصلصة التوم ليأكلها لاحقا..
- ويكيبديا!.. ويمر شابان بكامل أناقتهم وعلبة دخان أجنبي وجوال متطور للبروظة. يتقدمان من الفتاتان بجرأة ويذهبان بعد قليل..

- الموسوعة التي يحرر فيها أخي الصغير! أهذه هي مراجعك!.
- يمد يده إلى اصبع بطاطا من علبة رفيقه ويتأملها بشغف قبل أن يتناولها بلذة فيسأل: مافي بعدك يا زكور بالبطاطا!. يتابع: إننا هنا نتكلم عن الحب الآدمي وليس الاغريقي يا عزيزي! انظر إلى هذه الأحجار من حولك! إنها موجودة في كل مكان وزمان وبكل الأشكال والألوان! هذا هو الجنس! السكس بالمشرمحي! الرغبة الدفينة والخالدة في نفس كل انسان!. خذ هذه الحجارة.. اجبلها. انحتها. ضع احداها فوق أخرى لتحصل على قصر جميل يعكس ذوقك ومدى حضارتك!.. هذا هو الحب!..

- يسأله وهو ينتهي من علبة البيبسي: من قال هذا؟.
- ثيودور رايك في كتابه: “الحب بين الشهوة والأنا”!.
- يوافقه رفيقه بالكلام ويتابع: وكأنك تقول أن كل بناء هو قصة حب!..
- كل حضارة هي قصة حب!.
- يضحك وهو يرمي علبة البيبسي في كيسه ويسأل من قال هذا أيضا!.
- يسعل بسخرية ويقول مبتسما.. أنا..

تقوم الفتاتان لتلحق بالشابين بعد أن تبادلوا بضع رسائل قصيرة حيث رمى لها أحدهم رقمه.. تنادي الجريئة منهما.. يالله نحن رايحين!.. فتشدها صديقتها بأن تعالي تعالي.. شايفين حالهم كتير..

تمران بجانب صاحبينا فتلفتان نظرهما!..

يقول شارب البيبسي وهو يحملق بمؤخرة إحداهما: تبا!.
ينظر إليه شارب اللبن ويتنهد تنهيدة تبدو من ماض سحيق: مالنا حظ يا رفيق.. قوم لقلك قوم.. طالع فلم “في فو فينديتا” بشهباء الشام!.

- هذا أبو النينجا وأسهم وأقنعة!.
- إيه إيه.. بس قصته غير متوقعة.

ويبتعدان.. وأشجار الحديقة وكراسيها بدت حزينة كئيبة كأنها تقول لا.. ابقوا معنا..
يرمي كيسه في السلة المخصصة ويجنكل رفيقه الضخم ويسيران كصديقين أبديين.. أو ربما هما كذلك فعلا..

حررت في 2 كانون الثاني 2013.

ساعة الصفر!…

دقائق قليلة وتشير الساعة إلى السابعة صباحا. تود بتول…عفوا السيدة بتول (وهي ليست بتول مطلقا) أن تستيقظ لكن نسمات أيلول الباردة تتسلل من نافذتها المطلة على حديقة المنزل يعلوها عريشة عنب تصد سيوف الشمس بأوراقها لتجعلها تسقط كالدنانير الذهبية على مفرش سريرها الدوبلكس!.

هذا السرير… اللعين!. الذي شهد فتوحات توصف بأنها “تاريخية!” بطلتها السيدة بتول البارعة في الحقيقة بأن تكون كملائكة أسطورية في أمهات المعارك!.

يرن المنبه لكن سرعان ما تمد يدها لتغلقه. تنساب خصل شعرها على كتفها الأبيض العاري الذي يمهد لجسد منحوت بنعومة فائقة. تنظر بطرف عينها إلى المرآة وتعجب بنفسها قائلة: صباحو يا حلو!.

تعود لتستلقي على أمل أن ينسى العالم وجودها!…ولو لبرهة.

“ما الحياة إلا ظل يمشي…ولا تعني أي شيء”. هكذا نقش على لوحة مأطرة باطار ذهبي علقت في صدر الغرفة.

نظرت إليها بتول كمن ينظر لمستقبل بعيد. كانت الشيئ الوحيد الذي أصرت على الاحتفاظ به من هدايا زوجها السابق عند طلاقها منه. تعجبها اقتباسات شكسبير وإن كانت من الشياطين أمثال زوجها السابق!.

أصوات حركة ابنتها مريم في المنزل تنبئ عن ولادة يوم جديد…حركة سريعة فيها حماس غير معهود!.

ينفتح باب الغرفة فجأة عن أنوثة تتوق لأن تزهر بتمردها… أنا رايحة بدك شي؟.

- وين رايحة! بلا مدرسة بلا بطيخ. مجنونة أنت! مالك سامعة الأصوات؟!. صدقتي انو في مدرسة؟!…

قالت ذلك وهي ترفع رأسها مستندة على مرفقيها مما أجبر شعرها الأسود الحريري أن يسقط على وديانها المكشوفة شبه العارية الناصعة البياض يسقط كشلال ندي يكسر كل ألوان الصمت وتتوق أن تأخذ معه شهيق لتغوص إلى جذور الانسان الأول. إلى حيونته البهائمية. إلى الخطيئة الأولى. أو ربما الثانية. هناك تتكور الشياطين. هناك تمص الحياة صلبها ويشتد عودها. هناك هضبتين وواد مقدس ترقد فيه أحلام ورغبات لا تعرف الشبع!.

اقتنعت مريم على مضض وهي تنظر بعيون الغبطة إلى والدتها. فهي الصديقة والقدوة..

الساعة السابعة والنصف صباحا. خلعت مريم حذائها الرياضي ذو النجمة المميزة. “الكونفرس شوز” هكذا طلبته من والدها!. الذي جلبه لها بسعادة قبل سنة من الآن فارتدته بمرح في زمن ليس كهذا الزمان وسارت مع والدها ووالدتها بمسير في حديقة المدينة. دائما كانت تحافظ على حذائها على أمل تكرار ذلك التفصيل الصغير..ولم تدري أن ذلك ذروة ما لأسرتها الصغيرة من امكانات لأن تكون… أسرة!. وأن ما كان لن يتكرر بالمطلق.

الساعة 8 والربع…
في ساعة من الملل وقد صنعت القهوة وجلست باطلالة على الحديقة. بدأت مريم بالبحث عن دبوس وانتهت بنبش صندوق مبعثرات قديم..وأخرجت بطاقة الباص… اشتقتلهاااااا! نادت مريم. فردت والدتها على وقع أقدامها وهي قادمة. راجعة حبيبتي. انشاء الله بترجع هديك الأيام.

الساعة 8 و 45 دقيقة…
كانت الصديقتان تفردان الأغراض في حسرة. صور بتول وقد قصت الطرف الذي يظهر به زوجها!. أقلام ونقود وفواتير…

ترفع بتول مفاتيح سيارتها التي سرقت “بالأزمة” بأسى ولوعة. بطاقتين قديمتين للسينما… ضحكت مريم… يا إلهي صارت هلأ أطلال!. ابتسمت والدتها وهي تصب القهوة. قائلة. كنا نذهب كل أسبوع مع الأصدقاء يا إلهي أين كنا وأين أصبحنا!. قالتها وقد بدت كآلهة من السماء وورق العنب من خلفها يشع بالحياة بتأثير نور الشمس!.

كم أنت جميلة يا ماما!.
ابتسمت بتول وأمسكت خد ابنتها ذات 14 ربيعا وقالت لها بلطف… أنت الجميلة يا حبيبتي.

الساعة التاسعة صباحا…
الحركة في الشارع خفيفة وهناك عجوز يجلس على كرسي عتيق وأمامه بسطة من الكتب المسندة على سياج حديقة منزل السيدة بتول. يبدو (العجوز) كشاب في منتصف القرن الماض حيث توقف الزمن لديه عند شعر معشوقته المغسول بزيت البرتقال!. كاقتباس من روايته المفضلة “زوربا”.

الساعة التاسعة والنصف…
يقف العجوز وهو يتذمر وبيده كشاشة ينفض بها الغبار عن كتبه وينظر بعين الغضب من الحقير الذي ركن سيارته الفان المغلقة المثقلة حتى كادت دواليبها تمس الأرض وكأنها تحمل أطنان من الجبال الغليظة. أغلق السائق باب السيارة بهدوء مصدرا صريرا يقتل الأمل بالحياة. ونظر إلى العجوز ورفع يده محييا وأشار إلى ساعته… عشر دقائق بس.

مشى السائق بضع خطوات. توقف قليلا. وعاد إلى بسطة الكتب وبهدوء شديد قاتل أشار إلى كتاب خالد خليفة – مديح الكراهية. وقال للعجوز كم؟: رد عليه بتعالي 200 ليرة!. فأخرج من جيبه ألف ليرة!. وضعها بيده وقال له احتفظ بالباقي… جخ!. ثم سار مبتعدا وتلاشى كأنه لم يكن.

كان من المستحيل أن تجد هذا الكتاب معروضا بكل بساطة على العموم. لكن الجميع استغل “الأزمة”.

صمت غليظ ثقيل حل على المكان. الجو أصبح سميك. خانق. فك العجوز زر ياقته. وبدأ يمسح العرق عن وجهه. نظر إلى الشمس فكان الجو سديميا خانقا. نظر إلى الألف ليرة. قبلها وقال. استفتحنا بالخير.

الساعة التاسعة وأربعون دقيقة صباحا…
تحولت جلسة نبش الصندوق العتيق إلى استحضار لذكريات وحنين إلى الماض.

شعرت بتول بالاختناق ونظرت إلى مريم التي كانت تتفقد إحدى الصور باهتمام. شعرت بحر شديد وبدأت صورة مريم تبدو مبهمة وهي تشير إلى صورة طفلة… مقتولة بلا رأس…وهي تقول.. ماما مين هي؟. ..ماما.. مين… هي؟.

طفلة. بلا. رأس!… ماما!. مين. هي!.

نبضات قلبها تتسارع وتشعر بأن الزمن يتباطئ وصوت ريح عاصفة مزلزلة يلف المكان أعقبها كرة نارية انطلقت ومعها أصوات آلاف من الأرواح المعذبة التهمت. كل. شيئ. وبعدها حل صمت أبدي كوني وذرات الغبار تتساقط كندف الثلج…

يقولون أنها كانت سيارة محملة بألف كيلو. ربما ألفين. لكن من المؤكد حتما أن بتول ومريم أصبحوا صورة في درجنا العتيق القديم بانتظار من ينبشه!… أو ربما لن ينبشه أحد…

فمن يجروء على نبش “تاريخ” بلا رؤوس!.

حررت في 17 أيلول 2012.

الغزوات البربرية!…

كان مجرد حفل شواء في حديقة جاره الخلفية. شمس رع تكاد تغيب وقطط الفراعنة تقف عند أطراف الحديقة بانتظار أطايب وخيرات البشر. مجد! عكس اسمه…سافل. قصير القامة. كثيف الشعر. شرق أوسطي أو كما كان يسمى سابقا… “عربي”.

يرتدي بلاك بيده اليسرى وطوق تتدلى منه قلادة ذهبية على شكل بيضة!. متكئا على كرسي الحديقة وأمامه ما لذ وطاب من الخمور والكحول.
ينحني قليلا ليتناول زجاجة بيرة يفتحها بيديه فتفور وتسقط بضع قطرات على فخذه الأبيض الكثيف الشعر فيقف متذمرا.

وبلحظات كانت زوجة “صديقه” ايملي الشقراء ممشوقة القوام بشرتها بيضاء ضاربة للحمرة ترتدي قميصا ذكوريا يكشف عن نهدين يعشقان الشمس يغطيمهما النمش كصبيين شقيين يلزمهما التأديب…كانت قد أتت ببضع مناديل ورقية وفي غبطة مسحت له فخذه وباهتمام شديد مما استدعى منه أن يمسك كتفها معاتبا إياها قائلا:
- ما بك؟ ستفضحيننا.
- ماذا! أهذا جزائي…
- حسنا. أعطني المناديل واذهبي بعيدا.

عض على شفتيه وهو يرى هذه الآلهة تبتعد بأسلوب استفزازي كما فعلت قبل أسبوعين! لكن استدارت قبل أن تصل لزوجها وغمزته مؤكدة فعالية موعده معها لهذه الليلة.
عاد إلى جلسته وهو يرد على صديقه ديفيد بأن لا يزعج نفسه فلا مشكلة. إنها مجرد بيرة!.

كانت تلك الجملة سببا كافيا لوالده. هناك في حيه القديم. هناك في مدينته القديمة قدم الانسان!. هناك صفعه بكفه صفعة أخلت بتوازنه… حيث رد عليه والده… بيرة يا كلب!. انقلع يلعن أبوك سافل…

كان ذلك في سنتة الجامعية الأولى!. لم يكن كافيا بالنسبة لوالده أن يتخرج الأول على دفعته ويحصل على منحة ليدرس في أفضل جامعات ولاية كاليفورنيا. لم يكن ذلك كافيا ليفخر به. فهو عاق بنظره. مهما فعل. خصوصا بعد اصراره على خطبة فتاة أفريقية تقرع الطبول… حيث هجرته مع حبيبها الأفريقي المفتول العضلات. فبراكينه وإن تفجرت لا تكاد تقارن مع زلازل ذلك الوحش!.

جلسوا جميعا على طاولة المشاوي وقد أبدى ديفيد فخره بشيها على الطريقة الشرقية.. موضحا أنه أكثر قليلا من صلصته السرية رافعا زجاجة الصلصة وقد أثنت ايملي عليه وهي تضغط على كتفه قائلة: أنت رجلي!.

كان مجد يتأمل طبق الجوانح المشوية وهو يشعر بمرارة وحنين!.

- هل لديك أخبار عن وطنك؟ سأله ديفيد وهو يقطع أوصال طبقه وكانت ايميلي تنظر بترقب وتحسر.
- نظر مجد إلى أنفها المستدق و عيونها التي بلون أوراق الخريف. وقال في نفسه. يا إلهي. ما أجملها!.
- لا. في الحقيقة أنت تعرف رأيي بالموضوع وقررت أن لا أشاهد الأخبار بعد الآن.

شكرهم وانصرف!. وقرر أن يعود مشيا… طغيان الأفكار انهالت عليه. أنسته عالمه وأدخلته أرض الحاضر والماض.

بدأ ذهنه يخلط أصواتا وأضواء وشعر بالدوار… توجه إلى أقرب متجر. دخل الحمام واستفرغ. استفرغ أيام حفرت في نفسه كهوفا ومغاوير. استفرغ الألم والقهر والظلم. استفرغ كل جزء من تلك الجوانح الجديدة القديمة… وفي كل لحظة يعود ممسكا في المرحاض الافرنجي (هكذا يقولون عنه في مدينته) ويستفرغ مجددا. وبيضته الذهبية تتدلى عموديا.

ذرف دمعة حارة ومسح فمه قائلا: الله يرحمك يا بيضة!. نهض كطائر الفينيق واقفا أمام المرآة غسل وجهه. مرة. مرتين. ثلاث!. الثلاث من كل شيئ. هكذا علمه الحجي!.

مسح وجهه. ابتسم. فوجد صديقه خلفه!. لم يستدر. يدرك بأنه شبحه. يعيد شريط آخر ذكرياته معه!.
- شو بدك يا بيضة (هكذا لقب صديقه)؟.
- اشتقتلك يا جيجة.
- عنجد مسافر؟. يقف وبيده سيخ كباب مرتديا زي المطعم الشعبي المشهور وسط الحي القديم حيث يقدم أفضل وجبة جوانح مشوية.
- رد مجد: يا بيضة الأيام جاية. ثم صمت (انتظر قليلا حتى خرج أحد الزبائن). تابع قائلا. هذه أفضل جامعة في كاليفورنيا. انها فرصتي لأكتشف مستقبلي!. سأعود ملك زماني. يجب أن تدعمني في ذلك.
- تعال هات بوسة. ألف مبروك. تدرك أنني أدعمك وأرى نفسي بك! أنا الذي لم يسعفني الزمان لأكمل ما بدأته. هنا مستقبلي مشيرا إلى سيخ الشوي. مسح يده بمئزره وأخرج علبة هدية قدمها له. افتحها في البيت. وعدني أن تضعها كتميمة مقدسة على نهد كل آلهة تغزو معابدها.

أخذها مجد وهو يبتسم. تقصد غزواتنا البربرية!..

كان ما زال واقفا كشبح وهو يمسك قلادته التي على شكل بيضة ذهبية بيده أمام المرآة. وتمتم لها: ألا تكفيك ايملي أيها الفاجر!.

لملم نفسه وخرج!.

توجه إلى محاسب المتجر العجوز ولمح مدينته على شاشة التلفاز نهض العجوز عن كرسيه وهو يردد إنها حرب حقيقية! ذلك الشعب يستحق حريته!.

أخذ مجد علبة دخان ومعها واق ذكري بطعم الفراولة!. قبل أن يعطيه ما يستحق سأله: ماذا قلت؟. رد العجوز بأن ذلك الشعب يستحق حريته! أراد مجد أن يسدد لكمة على وجه هذا الأحمق!. لكنه أمسك نفسه وخرج وهو يتمتم… الآن تذكرتونا يا أولاد القحبة. حرية أم خراب تلك التي نستحقها بنظرك يا ابن العاهرة!.

وصل غرفته المستأجرة من رجل هندي الأصل!.

أخرج الواق من علبته وعلقه على شجرة زينة مزدانة بمئات منه وقد أصبحت كشجرة الميلاد. وقف بعيدا وأخرج هاتفه والتقط صورة للشجرة مرسلا إياها إلى فراس صديقه في كندا. خلع ملابسه. ودخل الحمام. وجعل من الماء الساخن ينهال عليه. التعب أنهك جسده. جلس كجنين تحت شلال المياه. وهو يتأمل الماء يذهب في بلوعة تبتلع كل شيئ!.

- أتدري يا جيجة (هكذا كان لقب مجد) أنه في نصف الكرة الأرضية الأعلى تدور الماء عند البلوعة بشكل حلزوني مخالف لما يحدث في نصف الكرة الأسفل!.
- والله يا بيضة صاير عم تتطور!
- لك أنا صعي شغلتي كش كباب بس بحس حالي فيسلوف عصري!.
- فيلسوف! مو فيسلوف!.
- خرا عليك. مبسوط هيك.

أقفل صنبور الماء. وخرج مرتديا “البرنص”. توجه إلى الثلاجة. وأخرج زجاجة بيرة وصاح هي كرمالك حجيي! حيث وضع صورة والده ووالدته على باب الثلاجة. عاد إلى غرفة الجلوس. أمسك جواله فكان هناك رد من فراس برسالة قصيرة. معاتبا إياه على اغلاق حسابه في الشبكة. ثم استدرك قائلا! أخيرا عملتها للشجرة يا مجنون!.

ضغط على زر الاتصال منتظرا اجابته وقد تفاجئ حقا أن كل أصدقائه مغتربون! قبل أن يفكر بالموضوع أجاب فراس: أهلا. أهلا. بالغالي!.
- عجبتك؟.
- شجرة التابو. ههه هي يلي كان يحكي عنها بيضة!. ما حلك تطلع من جو الحزن.
- كان مجد قد أخرج لفافة تبغ وهو يردد. هذا مو حزن. هذا تكريم لروحو.
- طيب!. ايمت رح ترجع ع النت!.
- بس لأدفع الفاتورة. سلام. هلأ بتجي ايملي.
- يا قذر! لسعتك!.
- خربوا بلدنا! خليني أخرب بيت واحد فيهم لهل العرصات!. ههه. وحياتك أنا وبيضة نازلين غزوات بربرية في كل معابد إيملي.
- ضحك فراس ضحكة عالية. ورد أنا من ناحيتي بفضل بناء جسور الصداقة. تحياتي.

أغلق هاتفه القابل للطي ونظر مجد إلى حاسوبه مرمي منذ شهرين على طرف الطاولة. لم يجروء على فتحه منذ أن وصلته صورة مطعم صديقه بيضة وقد تحول في ثوان هو وأبيه والمطعم إلى كومة ركام تحتاج إلى من يرحلها!.

خلع ثيابه. تاركا البيضة الذهبية تتدلى من عنقه. بانتظار ايملي التي سيحولها إلى ركام بربري!…هذه الليلة.

ارتمى على سرير مفرشه أحمر قان كالدم يعلوه اقتباس لجبران خليل جبران: “بقدر ما يحفر الأسى في وجودك. بقدر ما تستطيع استيعاب المزيد من البهجة”.

حررت في 13 أيلول 2012.

قبل أن تغيب الشمس!…

على كرسي خشبي مزخرف تجلس وتتفقد نفسها في مرآة صغيرة بانتظار باص النقل الداخلي. يقف مختلسا النظر إليها وهي تصحح ماكياجها فتنتهي بقلب شفتيها ثم تغلق علبتها بسرعة. تنظر إليه مباشرة وبحدة وكأن لها عيون في رأسها أدركته وكشفته!.

ارتبك وبدأ يشغل نفسه بجواله. فتح صفحته على عجل، وبطرف عينه ينظر متحققا من أنها أزاحت نظرها عنه. كانت تتهيأ فقد وصل الباص!.
أفسح لها المجال لتصعد. فهو شهم نبيل يحترم المرأة. حاول الجلوس بجانبها لكن امرأة عجوز نادتها وأجلستها بجانب النافذة.

تبا!. قالها وهو يمسك بأنشوطة مثبتة على قضيب معدني كيلا يقع فلا مكان له سوى أن يبقى واقفا!.

رفع جواله وهو يتذمر وبدأ يقرأ الأخبار على شبكته الاجتماعية. وصل إلى خبر يتناول صديقه أيمن. الذي يعمل خارج القطر. توقف الباص وبدأ رجل غليظ الهيئة بالخبط على الباب كي يفتح. بهدوء ضغط السائق على الأزرار وفتح الأبواب وأغلقها وتابع القيادة وهو يتمتم رافعا يديه عن المقود قليلا ثم ممسكا اياه بتوتر مجددا.

لفت نظره كرسي حجري مهترء أمام فوج الاطفاء حيث كان يجلس وأيمن يفصفصان البزر حتى الصباح في أحاديث عن الحب والدين والس**سة. ابتسم وشعر بغصة عجيبة. تذكر آخر مرة كانا فيها هنا!. لم يتوقع أن تكون تلك … آخر مرة.

ظن أن الصيف القادم سيكون كما سبقه! لا أن يصبح استحالة من الجحيم. فلا مطارات ولا طرقات آمنة وفي كل يوم تأكل الحرب الأمل بالحياة بين مؤيد ومعارض!.
نظر إلى الساعة وبدأ قلبه يدق!. يجب أن يصل قبل مغيب الشمس. لا خطر حقيقي. لكن من يعلم! الاحتياط واجب.

دخل منزله وصاح فلم يرد أحد. وضع جواله على الطاولة. وبحث عن زوجته فكانت بالمطبخ كعاهرة حقيقية أمام الصحون والمئزر يلف خصرها فأشعلت في نفسه رغبات من عهد الانسان الأول. أشارت له بعيونها الواسعة كسعة البحر أن لا يقترب فهي ليست بالمزاج المطلوب!. أطرق جبينه خائبا واتجه لغرفة “النوم”.

فتح حاسوبه وبدأ باستعراض الأخبار. التعليقات على حساب أيمن كانت كثيرة. ربما عيد ميلاده! لكنه ليس اليوم كما أنه لم يتلقى أي تنبيه!. ما إن بدأ بتدقيق الخبر حتى انبثقت نافذة تفيد بانتهاء تحميل فلمه الاباحي. شعر بالاثارة. أغلق النوافذ والأبواب وبدأ باستعراض آهات وأنات جالبا صورة صبية الباص من ذهنه ففجرت جذره وخارت قواه ونسي عالمه الكئيب للحظات!.

نظر إلى يمينه ومد يده لانتشال منديل من علبة المحارم!. فسقطت على الأرض!. هم ليرفعها وهو نصف عار!. فلمح ميدالية أسفل الخزانة!.

تبا!. تلك مفاتيح أيمن!. متى كان ذلك؟ يومها طفش زوجته إلى منزل ذويها.. جاء أيمن ومحمود وتسامروا حتى الصباح!. وكل ظن أيمن أنه أضاع مفاتيحه في الشارع!. سيجن جنونه عندما يدرك الحقيقة فهي ميدالية عزيزة. عليها رسم الفاتيكان من جهة ومن طرفها الآخر رسم المسجد الحرام!.

خلع ثيابه وذهب إلى الحمام. استقبلته بعدها زوجته بنظرة عتاب على ما فعله وقالت له بخبث: يا ملعون!. انو في مرة ما عوضتك؟! رد عليها بحركة من يده وهو ينشف رأسه. أنه يريد كأس من الشاي. فأجابته بإيماءة من هل العين قبل هل العين!.

عاد لحاسوبه وجلس. فتح صفحته يود اعلام أيمن لكن فاجأه أن صورة صديقه أصبحت متكررة بأغلب المصغرات. بدأ القلق يأكله. فتح صفحة صديقه وقرأ التعليقات بالترحم والاستغفار!.

علم لاحقا أن أيمن ضحية خلاف سياسي باطنه طائفي بين “مؤيد” و “معارض” حيث وجد مخنوقا على فراشه وكتب على صدره: “هذا مصير كل خائن!”.

تحجر الدمع في محجريه! قبض على ميدالية المفاتيح بيده وبالأخرى حرك مؤشر الفأرة إلى صورة أيمن وجعلها صورة شخصية. لم يشعر أن ذلك كافيا. فأضاف: “أيمن لن أنساك!”.

في اليوم التالي أخذ الميدالية إلى فوج الاطفاء وبعد حديث قصير أخذها الاطفائي متعجبا وثبتها على شبك السيارة!.

أدار ظهره للكرسي الحجري وسار مبتعدا باتجاه موقف الباص. اذ يجب أن يصل قبل مغيب الشمس. لا خطر حقيقي بعد!. لكن من يعلم!. الاحتياط واجب!.

حررت في 4 أيلول 2012.

ربيع!…

أحقا! قالها بانفعال! جميع المحلات؟ -يستفهم- . حسنا حسنا سآتي فورا.

انفعل أبو خالد كما لم ينفعل يوما على نبأ افراغ جميع المحلات من محتوياتها. جاره في العمل قال له انهم تسللوا ليلا مع سيارة شاحنة. وكما تفرغ القمامة. أفرغوا المحلات بالقوة وانطلقوا.

أصر أبو خالد على عدم بيع محله في الآونة الأخيرة. فبضاعته لم تعد رائجة على حد قول جاره صاحب متجر اكسسوارات الحاسب. حيث رغب جاره بتوسيع محله وما يعيقه هو متجر أبو خالد.

كانت الساعة العاشرة وعشر دقائق صباحا!. نظر أبو خالد إليها نظرة المنهزم. وهو رجل ستيني. بشعر أبيض وعيون ملونة لم يتقوس ظهره بعد. يرتدي قميص صيفي وبنطال قماشي دون أن يخرط قميصه بالبنطال. هو منهمك بنفسه هذه المرة! أخرج دفتر حساباته لكي يجرد بالضبط ما لديه. بدأ يقلب بصفحاته على عجل وهو يرتدي حذائه بدس قدمه فيه. استفسرت زوجته فأجابها بأن المحل قد سرق. وأفرغت جميع محتوياته! قالها بصيغة فرحة..تقريبا! كانت زوجته قد عدلت جلستها في السرير لتسمع الخبر لكن عند ذكر موضوع سرقة المحل تثاءبت وودعته وهي تشك حقا أنا أحد ما سرق المحل!.

خرج يحسب ويطرح. وصل إلى سيارته البيجو 104 فرنسية الصنع ورثها عن أبيه عند زواجه وهي على حالها تقريبا… قلنا تقريبا!.

يحرك ذراع علبة التروس المركب على المقود بصعوبة وتتحرك عنفاتها التي تصدر صوت تنفس شخص بدين يزرف العرق صعد لتوه ألف درجة!.

أيعقل أنهم أفرغوا كل البضاعة!؟ قال لنفسه. فالبضاعة ثقيلة وتشغل مساحة واسعة!. أرجو أن لا يكون قسم المواد الجديدة. ربما المستعملة. ربما أحرقوا البضاعة! لا لا غير معقول! تساءل أبو خالد عن موقف شركة التأمين هذه المرة هل ستسدد له أم ستدرج مصيبته تحت بند “خسائر حرب”.

اقترب من محله المطل على الشارع العام. أوقف سيارته ونزل منها بسرعة تاركا الأبواب مفتوحة. كانت الدرابية مشقوقة والأبواب محطمة!.

تمهل قبل دخوله فقلبه يرتجف خوفا مما سيراه! ثلاثون سنة وهو في هذا المحل. لديه علاقة صداقة قوية مع بضاعته. بعضها يصل لعشرات السنين والأخرى قد تصل إلى حد يتمسك ببضاعته دون بيعها.

نظر إلى لافتة محله: “مكتبة ربيع”. أسماها تيمنا بصبي توفي قبل أن يولد في بطن أمه. تلقى نبأ حبل زوجته بفرح وسعادة. ولده الأول. رافق زوجته في زيارات الطبيب وقرر أن يسميه ربيع ان كان ذكر و نوارة ان كانت أنثى. هكذا الحياة كنوارة الربيع!. لكن… رغم كل التحضيرات والتجهيزات والاستعدادات… خرج ربيع ميتا من بطن أمه!. لا يعرفون بالضبط متى توقف على أن يكون ربيعا! صفعه الطبيب على قفاه مرة. مرتين. ثلاث. كي يأخذ شهيقه الأول. لكن عبثا يفعل. كان ميتا. جثة هامدة!. قرر في حينه تسمية مشروعه -مكتبة حقيقية وليس مجرد قرطاسية- “مكتبة ربيع”.

دخل ويده على قلبه! كانت آثار الزجاج في كل مكان ورائحة بارود قديم تعبق المكان. مد يده إلى وصلة النور وأضاء محله.

تلفت يمنة ويسرى. مسح عرقه. ووقف واضعا يد على خصره والأخرى على فمه! وأطلق ضحكة هستيرية انتهت بنوبة بكاء وألم. كانت رفوف المكتبة على حالها. كل الكتب مكانها إلا من بضع منها تناثرت على الأرض بفعل اطلاق النار على الزجاج. جميعها هنا القديم والجديد وحتى نسخة موبي ديك بطبعتها النادرة المفضلة لديه والتي يرفض بيعها كانت مكانها بجانب علبة الصراف القديمة الميكانيكية والتي نسفت ومزقت وأفرغت من محتوياتها!. ولا حتى كتب الباه ولا حتى كتب الكاماسوترا ولا حتى رف الكتب الايروتيكية المخفي برف متحرك للكتب الدينية. كلها هنا!.

ضحك بتعب وسخر من نفسه حرك يديه بلا مبالاة ثم تناول كتابه المفضل من جانب الصراف وخرج!. هكذا دون أن يغلق الباب أو حتى أن يطفىء الأنوار!.

حررت في 23 تشرين الثاني 2012.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 567 other followers