يوم آخر للموت. (الجزء الثالث) والأخير.

غيث لم يفهم أو يحاول فهم لمى اعتبرها عاهرة أخرى. لم يحاول لوم نفسه على أي شيء. بنظره هي عنكبوت نسجت خيوطها حوله، واعتبر كتابته للرسالة تلك خطأ منه!. ما شأنه هو ليصحح الخطأ. لاحقاً حاول فهم سبب اشمئزازه أهو بسبب كذبها حول قصة الطفل. أم أن براءة الطفل جعلته يدرك كم هو حقير برغباته!.

وجد غيث نفسه تستغفر وتطلب الرحمة!. تعجب غيث من نفسه التواقة للإيمان و كل ما حوله ينسف الآلهة وما تصنع!.

***

خرج غيث من منزله باكراً عله يجد باص يأخذه للجامعة. تأكد من أغراضه وعدته وتوجه لأداء امتحانه، ودع والدته التي تمنت له التوفيق وشيعته حتى الباب وهي تؤكد عليه بأن يتأنى بالاجابه وأن يترك السؤال الصعب. تنصحه كما لو أنه طفلها الصغير وهو لا يجد مشكلة في ذلك.

يجب عليه ركوب ثلاث باصات للوصول إلى كلية الآداب. الوجوه الحزينة تكاثرت!. يراقب غيث وجوه الركاب. نساء وشيوخ وأطفال. أما الشباب فهم في تناقص مضطرد. من لم يقتل سافر ومن لم يسافر امتهن صنعة الحرب على كلا الطرفين!. قلقه لم يكن بسبب الفحص.

استيقظ غيث على كابوس غريب. يتذكر كلمة بحبك رنت في أذنه. شاهد فتاة بزي كهنوتي انحنت لأخذ قلم. شاهد حريق وصراخ ودخان. استيقظ وهو يشعر بدماء حارة تسيل على صدره. تلمسه فما كان إلا عرق غطا جسده. لم يجد تفسير لذلك. نزل من باصه الثاني ليصعد الأخير.

جلس بالمؤخرة ولفت نظره ملخص لامتحانه على حضن فتاة تجلس بجانبه وتنظر عبر النافذة. حاول سؤالها فالتفتت إليه وكانت صاعقة ضربت رأسه!.

لمى!.

ابتسمت لمى بهدوء!: ما بك! متفاجىء أن أمثالي يذهبون للجامعة!?. هز رأسه سعيداً: ليس هذا يا تافهة. انما لم أتوقع مصادفتك هكذا! وقرصها من فخذها كعلامة أنه قد نسي ما سبق!.

اقترب منها أكثر وألصق جسده بها وهي تلف قدمها على قدمه وهمست له بأنها آسفة عن ذلك الموقف قالت: كان علي مصارحتك بوضعي!.
رد غيث بأنه وجب ذلك وعلى أية حال القدر جاءه بهذه المصادفة ليعيد تصحيح الأمور.

خلعت لمى لفحتها الملونة وناولته إياها. تلقفها بسعادة ولفها حول رقبته. نزلوا معاً كحبيبين. ودعها عند قاعتها. كان امتحان سلس. انتهى وخرجوا. شعر غيث بالضيق وجسده بدأ ينمل. انتظر لمى لكن يبدو أنها خرجت. أخرج جواله ليهاتفها فأجابته أنها عند دوار العمارة قادمة باتجاهه.

صوت صفير عال لف المكان!. طنت أذنا غيث واشتعلت النيران كالجحيم.. لم يستوعب ما حدث. انطلق كالمجنون وهو يصيح. مشهد نار وحمم ودخان. غبار كثيف. جمهور ضخم من الناس تهرب. غيث!. صاحت لمى.. غيث!. صوتها يحشرج وكأن روحها ستخرج. أمسكها وقد تعفرت بالغبار وبدأ يجري بها باتجاه كلية الآداب.

شاهد فتاة تجري أمامه وقد سقط شيء ما منها. توقفت لتلتقطه فتجمد الدم في عروقه ولم يجد نفسه إلا وهو يطير بفعل انفجار ضخم من خلفه قذف به ستة أمتار وقد مرغ أنفه بالتراب.. الأصوات اختفت. صوت حريق وحديد يتآكل فقط.

حل صمت عجيب بضع دقائق ثم عادت الأصوات من جديد مبهمة. نهض يتفقد نفسه فكان مغطى بدماءه!. تفقد لمى كانت مثله جروح سطحية وكدمات في كل مكان. ساعدها في النهوض. واستمرا بالمشي مسافة طويلة حتى صادفوا سيارة أجرة وافقت على حملهما على حالتهما.

رن هاتفه فأجاب مطمئناً أهله. أما لمى تمنت لو أن أهلها بجانبها. لم تشعر بالعجز كما هي اليوم. جلسوا صامتين والدماء والغبار يغطيهما. كانت لمى فاقدة الاحساس بالمكان. تشعر بالخدر والتنميل وصوت الصفير لا يفارق سمعها. أمسكت بيده وهمست بأذنه برجاء من يبكي: لا تتركني أوصلني للمنزل!. لف ذراعه حولها وضمها بقوة مؤكداً وجوده.

سائق التكسي في المرآة نظر بعيونه وفهم القصة. الحمد لله ع السلامة يا جماعة. أجت سليمة..قالوا أنها طائرة حربية لكن أنا شخصياً لا أعتقد ذلك. قال السائق جملته وهو يقف مجدداً عند اشارة للمرور في زحمة خانقة والدخان يلف الأفق من خلفهم.

نظر غيث إلى عيون لمى وابتسم رغماً عنه. بادرته بالابتسام. قالت له نعم لقد كتب لنا عمر جديد.
تذكر غيث مشهد الفتاة التي تلتقط شيئا ما من الأرض. لا بد أن ذلك هو تفسير الحلم وقد نجا وكتب له عمر جديد. هكذا يقولون أليس كذلك!…

وصلوا الشقة. دخلت لمى إلى الحمام. وقف من خلفها غيث. فتحت الماء تغسل وجهها وشعرها. مضمضت الماء وبصقت دماء. الغبار على جسدها تحول لطين مع الماء واختلط بالدماء.. أمسكت حافة المغسلة ويدها ترتجف وكأن جسدها بدأ يعيد سيطرته ويدرك حجم الكارثة.

قالت بصوت مهتز: لقد كانت الطائرة يا غيث!.
رد غيث وقد جلس وكفه على وجهه: أعلم!.
كررت لمى: لقد كانت الطائرة يا غيث! علا صوتها وضربت حرف المغسلة بيديها وانهارت تصيح: لقد كانت الطائرة. كانت الطائرة!.

أمسكها غيث وحاول ضمها. فأبعدته وهي تصيح به!. ما زلت تدافع وأنت تعلم بأنها الطائرة!.

رد عليها: نعم لمى انها الطائرة لكن لا بد أن يكون هناك خطأ!. قال الجملة الأخيرة وهو يدرك أنه قد يكون الآن لحم مفتت بسبب خطأ يدافع عنه!.

ملأت الدموع عيونها وهي تقول له: أنت غير معقول! أشهرت يديها الممزقتان بالجروح!. كنا سنموت وأنت تدافع.

توتر غيث وذهب لآخر الحمام وعاد. وصاح بلمى: كفي عن هذا أرجوك!. ما الفرق لمى! ما الفرق!؟ ماذا تريدين مني أن أقول! الموت واحد لمى.. سواء كان تفجير ساحة عامة أو قصفها!. الموت واحد لا يفرق بيني وبينك.

سئمت الموت وسئمت كل هذا!. اقتربت منه لمى بهدوء حذر حتى احتضنها أخيراً.

بكاء الطفل أجبر غيث على التلفت من حوله ثم سؤال لمى بدهشة: أين وضعت الطفل أثناء غيابك!. ردت بأنها تركته نائم. كنت متأكدة من أنني سأعود باكراً. صاح بها صراخاً: أنت مجرمة حقيقية! أنت بلا إحساس!. تبكين على أحداث لا طاقة لك بها وترمين طفلك للقدر! صفعها صفعة أوقعتها. نهضت من جديد وهي تبكي وتدافع عن نفسها! لا يحق لك محاكمتي بهذه الطريقة!. إنك لا تعرف شيئا حول هذا!.. وذهبت لطفلها تجهش بصدرها.

خرج غيث من المنزل وهو يلعن ويشتم الوضع والزمن والحياة. نظر إلى البناء من مدخله ثم استدار يعود أدراجه.

غيث ذو الإيمان الضعيف ظل يردد السؤال في ذهنه.. ما الحكمة من كل هذا!. التهاني بنجاته ملأت صندوق رسائله. حاول فهم القدر. كيف كان وجوده كفيل بانقاذ لمى وطفلها. ماذا كان حل بالطفل لو لم تعد والدته?!.

مجرد التفكير بذلك جعله يزداد إيماناً بأن القدر يرتب له خطة مع هذه الفتاة.

بعد مضي بضعة أيام اتصل معها وقال لها: لقد قلت لك سأصحح الخطأ وأنا مصر على ما قلت. الأسبوع القادم سأتزوجك!. هل توافقين؟.

صمتت لمى وطلبت منه القدوم غداً على طعام الغداء!. حجتها أن هكذا مواضيع لا تناقش على الهاتف. اغلقت الهاتف الجوال ورمته على السرير وفي عيونها سعادة جديدة من نوعها دخلت حياتها.

مر الوقت ببطئ شديد حتى حان الوقت أخيراً. وصل إليها حاملاً قنينة مازوت. أخذتها بسعادة وقالت له: إنك تصنع تقليد جديد لهذه المدينة!.

أدخلته بسكينة. نظرت إليه بشغف وقبلوا بعضهما بعنف.تابع غيث عناقها وأخذ زمام المبادرة. مزق ثيابها مسنداً إياها على جدار الخزانة بعنف كاد يكسر ظهرها. أنشبت أظافرها في صدره محاولة ابعاده. كحيوانين في شهر التكاثر.

حبهما حرك الجوع في نفسيهما. جلسا بعد الغداء ليستمتعا بمشاهدة التلفاز شبه عاريين. غيث وجد أخيرا نفسه في صدر هذه المرأة. طوقها بذراعه وقد غفت على صدره وهي تهمس له: بحبك!. كان يقلب التلفاز عن عبث حتى توقف عند مشهد فتاة بلباس كهنوتي تنحني لالتقاط قلمها.

دبت حرارة رهيبة في جسد غيث وشعر بالدوخة وكأنه أدرك مصيبة لا يمكن تحاشيها. لم يتحرك غيث. شد لمى إليه بعنف.

كان صوت الصفير عال تبعه صدمة حولت البناء إلى ركام بمن فيه.

- تمت -

حررت في January 23 at 10:16am من عام 2013