ربيعي الثامن والعشرون!…

كان تاريخ ميلادي حين قررت الذهاب إلى البحر. كان ذلك في العشرين من آذار من العام السابق. بعد أن دام على بقائي في عزلة طويلة امتدت حتى عشرة أشهر لم أغادر فيها مكاني واعتكفت في غرفتي أقرأ الكتب وأشاهد الأخبار في مدينة تمزق نفسها وتشق صدرها من قهر وألم بلغ ذروته.

أصحو الليل ألاعب فيه جوال عتيق ومن بعيد يبدو لي وميض القذائف ليصل إلي الصوت بعد برهة كرعد يشق كبد السماء.

أنام الصباح وأستيقظ مساء قبل الغروب أطهو ما تيسر لي من الطعام وأضع سماعات أذني وأذهب أعلا التل لأفترش التراب أشاهد الشمس وهي تغيب مع أصوات عزف مالك جندلي لأوغاريت الدمار والحرب.

بت أخشى الأخبار وأكره التلفاز. يصعب علي تصديق ما حل لمدينتي!. ما كان غير معقول أصبح أمر واقع… تتحدث بينك وبين نفسك!. تنفرد الكلمات من فمك بشتائم عن من استباحو مدينتك دون جدوى ودون حساب فراحت أحيائها تفرغ من أهلها وتفقد شيئاً فشيئاً من بريقها حتى أخيراً باتت في عتمة وظلام! يضيء ليلها أصوات النار والحديد المعجون في مشهد بات أقرب لما أشهده كل يوم في عزلتي.

عشرة أشهر قضيتها هكذا حتى رتبت حقائبي وقررت الذهاب إلى البحر في ربيع آذار. ربيعي الثامن والعشرون.

خرجت من عزلتي وانتظرت من يقلني وفي قلبي قلق وخوف. كانت تغطية الانترنت على الهاتف الخلوي مقطوعة حيث أنا فبدأت أتفقد هاتفي العتيق كل فترة  لعلني ألتقط اشارة الانترنت. ارتفعنا في الجبال فاشتعل مؤشر هاتفي وارتعش بين يدي يتلقى الرسائل.

أدقق بحال المسافرين معي. امرأة وطفلها وصبية بين شابين يبدو أنهما زميلاها في الجامعة يحاول كل منهما جذب اهتمامها في حديث حول الطريق والحواجز العسكرية.

وأنا أترقب مشهد اعتدت لقاءه مع أهلي كل صيف. اليوم أسافر وحدي مع أمل تمكن الأهل من الوصول إلي هناك.

كان المشهد ذاته وكأنه لم يتغير أبداً. بضع سفن تمخر عبابه بسلام!. مددت رأسي من الشباك قليلا لعلي أتنشق من هواءه العليل.

آه يا أيها البحر…كم أنت أزرق وجميل…يا ليتني باخرة تمخر عباب البحر. فتحت جوالي وكتبت ذلك لعل أحدهم مستيقظ ليشاركني فرحتي.

فرحتي!…

وددت لو أمسك هاتفي وأطلب رقم من أحب لأقول له كم أريد أن أكون معك على باخرة من هذه البواخر…

لم يكن هناك من رقم على هاتفي معنون باسم من يشاركني حياتي!…

تشعر بأن حياتك سلسلة من الروتين الممل بلا ألوان. بضعة أخشاب مركبة فوق بعضها بدون هدف ولا غاية. تكدس الأخشاب على أمل أن تستخدمها في شتاء عاصف لكنها تصبح كومة من الأخشاب فقط. تقف فوق بعضها كسد كبير عن تجارب الحياة.

تتذكر بحسرة تجارب حياتك من الرفض العاطفي إلى نهاية عبثية لكل ما خططت له من حياتك.

كيف سقطنا في هذه الحفرة!…

لا تدري كيف ولماذا قررت الذهاب إلى البحر أصلاً. لماذا تطلب رقم هاتف معين وتقرر قضاء السهرة هناك في ذلك الوقت من السنة!… هل هو القدر!.

أتلعب الشدّة?

كان الجو بارداً لكن كنت أشعر بحرارة تصدر عنها!. مذ دخلت الغرفة بصوتها الدافئ وشعرها الذي يميل على احدى كتفيها كشلال يحيط بعيون زرقاء لا تخطئ هدفها…

كانت قد رمت شعلتها فوق ركام أخشابي وانتهى الأمر… النار اشتعلت وبدأت تذيب الجليد في روحي وتنير زوايا مقفرة مهجورة من نفسي.

أتلعب الشدّة قالتها!… وكأنني فقدت لساني!. من قال أن المرأة كائن ضعيف!. في تلك اللحظة كنت قد استسلمت بالكامل لها وأنا أراقبها تتحرك وتضع الأوراق بأناملها الملونة الناعمة والطرية وتتحدث بصوت عذب يليه ضحكات لطيفة تخفيها بوضع يدها على فمها وجسدها يهتز وهي تغمض عينيها برقة. لكن بريقهما الأزرق يصرّ على التسلل من بين رموشها ليخترق صدري ويشقه بطوفان كبير جرف كل شيء معه ولم يترك في نفسي إلا بساتين وأراض ارتوت حتى الشبع من بهجة كدت أنسى أنها حقاً موجودة!.

كانت كملكة تملك مفاتيح قصر نسيت أنه موجود في قلبي. بدا وكأنها تدرك هذا القصر وتعرف تماما أين يجب أن تتحرك وفي يدها مفاتيح لا أدري من أين حصلت عليها تعرف كل واحد لأي باب. دخلت بثقة وبدخولها تحلّ البهجة لترسم على صدري ابتسامة تنهي عزلتي.

كانت كمن يأتي إلى بيتك ويفتح فيه جدران لم تدرك أنها أبواب! وتخرج صندوق ظننت أنه مقفل للأبد لتحرك بأصابعها رمز الوصول وتفتحه لينتشر منه سحر يحول كل ضجيج في حياتك إلى سكون مريح لألم مبرح في رأسك…

لم أستطع أن أبتعد بتفكيري عنها ذلك اليوم. انتهت الحرب بالنسبة لي!. وضعت سماعاتي أود أن أستمع لموسيقى تعبر عما في صدري فلم أجد ما أريد.

فجأة انهالت علي صور من الحياة تبدو فيها تعانقي وتمسك بيدي! وكأنها تدعوني لأكتشف العالم من جديد.

تدعوني لنمارس دهشتنا لهذا العالم!.فجأة بدا لي أن سهرة التلفاز وقليل من الفشار بوجودها هو أكثر مما أطلبه في حياتي.

فجأة…
ولدت من جديد.