قصة الحضارة!…

تبادل ثقافي!..

- كيف ذلك!؟ كلامك غير طبيعي!.
- تقصد غير منطقي! قالها وفمه مليء بلقمة ضخمة من الفلافل بخبز الصاج مع كامل الاضافات فخرج صوته مبهما بفتات الخبز والصلصة!.
يفتح غطاء قنينة العيران بفمه ويستل أيضا بفمه “شلمونة” من الكيس ليضعها في القنينة ويشرق دفعة من اللبن لتزيح الطعام إلى معدته.

يستريح قليلا!. ثم يخرج زفيرا مزعجا.. يصحح من جلسته ويرفع نظارته الجديدة التي اشتراها من شارع اسكندرون بمبلغ زهيد.. يرفعها فوق أنفه ويتابع وهو يلوح بيده الممسكة بصندويشة الفلافل لتسقط منها قطع من البندورة وفرافيط الفلافل على أرض حديقة المارتيني قرب جامعة حلب!. ويقول: كما أقول لك! إنك مفرط في الأفلاطونية حتى فقدت قدرتك الجنسية!.

- يرفع صديقه شعره الطويل كي لا يدخل فمه وهو يهم بقضم شطيرة البرغر بالبصل والجبنة والبيض مع صلصة الخردل وقطع من الخس وبجانبه علبة البيبسي الباردة وعلبتين من البطاطا المقلية “فرنش فرايز” الشهية المدللة بكريم الثوم ورشقات من الكتشب الحار. وما إن وصل الحديث إلى فعالية خصيتيه كان قد تحسسهما باطمئنان ونظر إلى رفيقه مقاطعا إياه ويشير له بيده بأن يصبر حتى ينتهي من لقمة البرغر ومن خلفها مباشرة كرعة من البيبسي ثم يقول بتوتر مدافعا عن نشاطه الجنسي: يا عزيزي لا تقترب من عدتي كي لا أضطر لتجريبها لك!.

- لما انفعلت هكذا!؟ أتنكر أنك أفلاطوني في علاقتك مع حبيبتك؟. ويتابع شرق اللبن.
- أنا لا أستطيع تصور أنك تتخيل حبيبتك جنسيا!. هذا مقرف!. إنني أعتبرها ملاك ولا أود تلويثها بالجنس!.

- هع! قل لحبيبتك ذلك وسنرى إن كانت سترضى بحبيب مخصي!.
- ها قد عدنا ثانية! ويتابع قضم البرغر. إنك غير طبيعي! غير طبيعي بالمطلق!.
- لا ثانية ولا أولى! إن مفهومك بالحب خاطئ..

كانوا في باحة الحديقة تحت سماء نيسان الجميل والأشجار تغربل الشمس لتصل أصفى وأنقى أشعتها إلى روادها.. وعلى كرس مقابل كانت آلهتان تعبثان بشعرهما وتضحكان ضحكات مكتومة تصححان من كسرات ثيابهما بتمسيد يخلب الألباب..

تنظر احداهما إلى ما لديها من امكانات ثم تسحب نتف من الصوف الشاذ عن كنزتها الزرقاء التي تشع دفء في وجه أواخر نسمات الربيع الباردة..تربت على كتفها صديقتها بأن تتفحص الشابين الجالسين ووجبات طعامهم السريع في متناول يديهما منهمكين بحديث مكتوم تخرج منه من حين لآخر كلمات مثل “غير طبيعي” و “لا لا”… تضحك الفتيات وتستمران بالتحديق.

يتابع أخونا في الفلافل: حبيبي إن الحب المفصول عن الجنس كوردة بلا ماء!.
- آه يا صاحب الخبرات والتجارب! يرد رفيقه ساخرا..
- يزيح ورقة الفلافل لتتيح له فرصة قضم المزيد ويقول: لماذا تسخر! أنا أتكلم بجدية. وإن كنت بلا تجارب!. أنظر!. على الصعيد العاطفي والحب الأفلاطوني إن كنت تتخيل جنسيا شخصا آخر غير حبيبتك فأنت تخونها!.
- يتشردق بالبيبسي فيبصق.. ويسعل.

من بعيد الفتاتان تبديان قلقهما! ترفع إحداهما صوتها بجرأة.. طولوا بالكن طولوا بالكن.. ثم تضحكان بسخرية.. لكن لا يسمعانهما.

يستدير إلى آكل الفلافل.. وبيده آخر قضمة من البرغر يلتهمها بعنف ويرد! أي حماقة هذه! خيانة! يا زلمة تتكلم وكأنني زير نساء!.. أنا أرسم صورة نقية لحبيبتي وأنت تريدني أرقص عاريا معها وبندول ساعتي يتدلى من حولها!..

- يتابع شرق آخر دفعة من اللبن ويكوم ورقة الفلافل ويرميها بالكيس ويقول: أتعلم أن الأنثى تسامحك على الخيانة الجسدية لكن لا تسامحك أبدا على الخيانة العاطفية! عكس الرجل تماما..

- من قال ذلك! يسأل باهتمام وهو يغمس اصبع البطاطا الذهبي المقرمش بصلصة التوم ليأكلها لاحقا..
- ويكيبديا!.. ويمر شابان بكامل أناقتهم وعلبة دخان أجنبي وجوال متطور للبروظة. يتقدمان من الفتاتان بجرأة ويذهبان بعد قليل..

- الموسوعة التي يحرر فيها أخي الصغير! أهذه هي مراجعك!.
- يمد يده إلى اصبع بطاطا من علبة رفيقه ويتأملها بشغف قبل أن يتناولها بلذة فيسأل: مافي بعدك يا زكور بالبطاطا!. يتابع: إننا هنا نتكلم عن الحب الآدمي وليس الاغريقي يا عزيزي! انظر إلى هذه الأحجار من حولك! إنها موجودة في كل مكان وزمان وبكل الأشكال والألوان! هذا هو الجنس! السكس بالمشرمحي! الرغبة الدفينة والخالدة في نفس كل انسان!. خذ هذه الحجارة.. اجبلها. انحتها. ضع احداها فوق أخرى لتحصل على قصر جميل يعكس ذوقك ومدى حضارتك!.. هذا هو الحب!..

- يسأله وهو ينتهي من علبة البيبسي: من قال هذا؟.
- ثيودور رايك في كتابه: “الحب بين الشهوة والأنا”!.
- يوافقه رفيقه بالكلام ويتابع: وكأنك تقول أن كل بناء هو قصة حب!..
- كل حضارة هي قصة حب!.
- يضحك وهو يرمي علبة البيبسي في كيسه ويسأل من قال هذا أيضا!.
- يسعل بسخرية ويقول مبتسما.. أنا..

تقوم الفتاتان لتلحق بالشابين بعد أن تبادلوا بضع رسائل قصيرة حيث رمى لها أحدهم رقمه.. تنادي الجريئة منهما.. يالله نحن رايحين!.. فتشدها صديقتها بأن تعالي تعالي.. شايفين حالهم كتير..

تمران بجانب صاحبينا فتلفتان نظرهما!..

يقول شارب البيبسي وهو يحملق بمؤخرة إحداهما: تبا!.
ينظر إليه شارب اللبن ويتنهد تنهيدة تبدو من ماض سحيق: مالنا حظ يا رفيق.. قوم لقلك قوم.. طالع فلم “في فو فينديتا” بشهباء الشام!.

- هذا أبو النينجا وأسهم وأقنعة!.
- إيه إيه.. بس قصته غير متوقعة.

ويبتعدان.. وأشجار الحديقة وكراسيها بدت حزينة كئيبة كأنها تقول لا.. ابقوا معنا..
يرمي كيسه في السلة المخصصة ويجنكل رفيقه الضخم ويسيران كصديقين أبديين.. أو ربما هما كذلك فعلا..

حررت في 2 كانون الثاني 2013.