كان مجرد حفل شواء في حديقة جاره الخلفية. شمس رع تكاد تغيب وقطط الفراعنة تقف عند أطراف الحديقة بانتظار أطايب وخيرات البشر. مجد! عكس اسمه…سافل. قصير القامة. كثيف الشعر. شرق أوسطي أو كما كان يسمى سابقا… “عربي”.
يرتدي بلاك بيده اليسرى وطوق تتدلى منه قلادة ذهبية على شكل بيضة!. متكئا على كرسي الحديقة وأمامه ما لذ وطاب من الخمور والكحول.
ينحني قليلا ليتناول زجاجة بيرة يفتحها بيديه فتفور وتسقط بضع قطرات على فخذه الأبيض الكثيف الشعر فيقف متذمرا.
وبلحظات كانت زوجة “صديقه” ايملي الشقراء ممشوقة القوام بشرتها بيضاء ضاربة للحمرة ترتدي قميصا ذكوريا يكشف عن نهدين يعشقان الشمس يغطيمهما النمش كصبيين شقيين يلزمهما التأديب…كانت قد أتت ببضع مناديل ورقية وفي غبطة مسحت له فخذه وباهتمام شديد مما استدعى منه أن يمسك كتفها معاتبا إياها قائلا:
- ما بك؟ ستفضحيننا.
- ماذا! أهذا جزائي…
- حسنا. أعطني المناديل واذهبي بعيدا.
عض على شفتيه وهو يرى هذه الآلهة تبتعد بأسلوب استفزازي كما فعلت قبل أسبوعين! لكن استدارت قبل أن تصل لزوجها وغمزته مؤكدة فعالية موعده معها لهذه الليلة.
عاد إلى جلسته وهو يرد على صديقه ديفيد بأن لا يزعج نفسه فلا مشكلة. إنها مجرد بيرة!.
كانت تلك الجملة سببا كافيا لوالده. هناك في حيه القديم. هناك في مدينته القديمة قدم الانسان!. هناك صفعه بكفه صفعة أخلت بتوازنه… حيث رد عليه والده… بيرة يا كلب!. انقلع يلعن أبوك سافل…
كان ذلك في سنتة الجامعية الأولى!. لم يكن كافيا بالنسبة لوالده أن يتخرج الأول على دفعته ويحصل على منحة ليدرس في أفضل جامعات ولاية كاليفورنيا. لم يكن ذلك كافيا ليفخر به. فهو عاق بنظره. مهما فعل. خصوصا بعد اصراره على خطبة فتاة أفريقية تقرع الطبول… حيث هجرته مع حبيبها الأفريقي المفتول العضلات. فبراكينه وإن تفجرت لا تكاد تقارن مع زلازل ذلك الوحش!.
جلسوا جميعا على طاولة المشاوي وقد أبدى ديفيد فخره بشيها على الطريقة الشرقية.. موضحا أنه أكثر قليلا من صلصته السرية رافعا زجاجة الصلصة وقد أثنت ايملي عليه وهي تضغط على كتفه قائلة: أنت رجلي!.
كان مجد يتأمل طبق الجوانح المشوية وهو يشعر بمرارة وحنين!.
- هل لديك أخبار عن وطنك؟ سأله ديفيد وهو يقطع أوصال طبقه وكانت ايميلي تنظر بترقب وتحسر.
- نظر مجد إلى أنفها المستدق و عيونها التي بلون أوراق الخريف. وقال في نفسه. يا إلهي. ما أجملها!.
- لا. في الحقيقة أنت تعرف رأيي بالموضوع وقررت أن لا أشاهد الأخبار بعد الآن.
شكرهم وانصرف!. وقرر أن يعود مشيا… طغيان الأفكار انهالت عليه. أنسته عالمه وأدخلته أرض الحاضر والماض.
بدأ ذهنه يخلط أصواتا وأضواء وشعر بالدوار… توجه إلى أقرب متجر. دخل الحمام واستفرغ. استفرغ أيام حفرت في نفسه كهوفا ومغاوير. استفرغ الألم والقهر والظلم. استفرغ كل جزء من تلك الجوانح الجديدة القديمة… وفي كل لحظة يعود ممسكا في المرحاض الافرنجي (هكذا يقولون عنه في مدينته) ويستفرغ مجددا. وبيضته الذهبية تتدلى عموديا.
ذرف دمعة حارة ومسح فمه قائلا: الله يرحمك يا بيضة!. نهض كطائر الفينيق واقفا أمام المرآة غسل وجهه. مرة. مرتين. ثلاث!. الثلاث من كل شيئ. هكذا علمه الحجي!.
مسح وجهه. ابتسم. فوجد صديقه خلفه!. لم يستدر. يدرك بأنه شبحه. يعيد شريط آخر ذكرياته معه!.
- شو بدك يا بيضة (هكذا لقب صديقه)؟.
- اشتقتلك يا جيجة.
- عنجد مسافر؟. يقف وبيده سيخ كباب مرتديا زي المطعم الشعبي المشهور وسط الحي القديم حيث يقدم أفضل وجبة جوانح مشوية.
- رد مجد: يا بيضة الأيام جاية. ثم صمت (انتظر قليلا حتى خرج أحد الزبائن). تابع قائلا. هذه أفضل جامعة في كاليفورنيا. انها فرصتي لأكتشف مستقبلي!. سأعود ملك زماني. يجب أن تدعمني في ذلك.
- تعال هات بوسة. ألف مبروك. تدرك أنني أدعمك وأرى نفسي بك! أنا الذي لم يسعفني الزمان لأكمل ما بدأته. هنا مستقبلي مشيرا إلى سيخ الشوي. مسح يده بمئزره وأخرج علبة هدية قدمها له. افتحها في البيت. وعدني أن تضعها كتميمة مقدسة على نهد كل آلهة تغزو معابدها.
أخذها مجد وهو يبتسم. تقصد غزواتنا البربرية!..
كان ما زال واقفا كشبح وهو يمسك قلادته التي على شكل بيضة ذهبية بيده أمام المرآة. وتمتم لها: ألا تكفيك ايملي أيها الفاجر!.
لملم نفسه وخرج!.
توجه إلى محاسب المتجر العجوز ولمح مدينته على شاشة التلفاز نهض العجوز عن كرسيه وهو يردد إنها حرب حقيقية! ذلك الشعب يستحق حريته!.
أخذ مجد علبة دخان ومعها واق ذكري بطعم الفراولة!. قبل أن يعطيه ما يستحق سأله: ماذا قلت؟. رد العجوز بأن ذلك الشعب يستحق حريته! أراد مجد أن يسدد لكمة على وجه هذا الأحمق!. لكنه أمسك نفسه وخرج وهو يتمتم… الآن تذكرتونا يا أولاد القحبة. حرية أم خراب تلك التي نستحقها بنظرك يا ابن العاهرة!.
وصل غرفته المستأجرة من رجل هندي الأصل!.
أخرج الواق من علبته وعلقه على شجرة زينة مزدانة بمئات منه وقد أصبحت كشجرة الميلاد. وقف بعيدا وأخرج هاتفه والتقط صورة للشجرة مرسلا إياها إلى فراس صديقه في كندا. خلع ملابسه. ودخل الحمام. وجعل من الماء الساخن ينهال عليه. التعب أنهك جسده. جلس كجنين تحت شلال المياه. وهو يتأمل الماء يذهب في بلوعة تبتلع كل شيئ!.
- أتدري يا جيجة (هكذا كان لقب مجد) أنه في نصف الكرة الأرضية الأعلى تدور الماء عند البلوعة بشكل حلزوني مخالف لما يحدث في نصف الكرة الأسفل!.
- والله يا بيضة صاير عم تتطور!
- لك أنا صعي شغلتي كش كباب بس بحس حالي فيسلوف عصري!.
- فيلسوف! مو فيسلوف!.
- خرا عليك. مبسوط هيك.
أقفل صنبور الماء. وخرج مرتديا “البرنص”. توجه إلى الثلاجة. وأخرج زجاجة بيرة وصاح هي كرمالك حجيي! حيث وضع صورة والده ووالدته على باب الثلاجة. عاد إلى غرفة الجلوس. أمسك جواله فكان هناك رد من فراس برسالة قصيرة. معاتبا إياه على اغلاق حسابه في الشبكة. ثم استدرك قائلا! أخيرا عملتها للشجرة يا مجنون!.
ضغط على زر الاتصال منتظرا اجابته وقد تفاجئ حقا أن كل أصدقائه مغتربون! قبل أن يفكر بالموضوع أجاب فراس: أهلا. أهلا. بالغالي!.
- عجبتك؟.
- شجرة التابو. ههه هي يلي كان يحكي عنها بيضة!. ما حلك تطلع من جو الحزن.
- كان مجد قد أخرج لفافة تبغ وهو يردد. هذا مو حزن. هذا تكريم لروحو.
- طيب!. ايمت رح ترجع ع النت!.
- بس لأدفع الفاتورة. سلام. هلأ بتجي ايملي.
- يا قذر! لسعتك!.
- خربوا بلدنا! خليني أخرب بيت واحد فيهم لهل العرصات!. ههه. وحياتك أنا وبيضة نازلين غزوات بربرية في كل معابد إيملي.
- ضحك فراس ضحكة عالية. ورد أنا من ناحيتي بفضل بناء جسور الصداقة. تحياتي.
أغلق هاتفه القابل للطي ونظر مجد إلى حاسوبه مرمي منذ شهرين على طرف الطاولة. لم يجروء على فتحه منذ أن وصلته صورة مطعم صديقه بيضة وقد تحول في ثوان هو وأبيه والمطعم إلى كومة ركام تحتاج إلى من يرحلها!.
خلع ثيابه. تاركا البيضة الذهبية تتدلى من عنقه. بانتظار ايملي التي سيحولها إلى ركام بربري!…هذه الليلة.
ارتمى على سرير مفرشه أحمر قان كالدم يعلوه اقتباس لجبران خليل جبران: “بقدر ما يحفر الأسى في وجودك. بقدر ما تستطيع استيعاب المزيد من البهجة”.
حررت في 13 أيلول 2012.
36.191089
37.166748