استنزاف…

لا أدري كم ستطول هذه الحرب ولا أعلم كم بقي من روحي لتستنزفها. كيف تحولت مشاهد الدمار والخراب وأنهار الدماء إلى مشهد يومي اعتيادي في حياتي.

بت أخشى كل شيء وكل شيء تقريباً يثير قلقي. السفر يجعل عروقي تنتفض خوفاً من أي مفاجأة ورنة هاتف غريب تفجر في خيالي آلاف الأفكار.

إلى متى يبقى السؤال. والقلق يداهمني بشكل دائم. قلق من مستقبل مجهول وحرب لا أجد لها هدف!. فالثمن الذي بذلناه لن يأتينا بأي شيء نستحقه. ما خسرناه كان أغلا بكثير من أي مستقبل ممكن مما يجعل المعادلة خاسرة في كل الأحوال.

أن تشعر أن الأرض التي تدوس عليها متحركة وتغلي وقابلة أن تتهتك في أي لحظة يدفعك للتساؤل عن جدوى بناء حياة عليها!. هل الوطن يلفظنا! أم طوابير الناس تقفز في البحر تسبح للضفة الأخرى بالغت في ردة فعلها!.

أملي أن تمضي الأيام وأعود لقراءة ما كتبت على أنه جزء من تاريخ مؤلم لن أنساه ما حييت.

أملي بقرارات جريئة خلال السنة القادمة  تكون على قدر شجاعة شهداء هذا الوطن الغالي تفضي بوقف هذه الحرب قبل أن نستنزف الرمق الأخير من بقايا حلم بحياة أفضل.

قصة “حُبّ” قصيرة…

بجسدها النحيل الممشوق القوام، وشعرها الملفوف بطريقة عبثية، وشفاها الناعمتان المكتسيتان ببريق غريب، و عيونها الصغيرة بلون الشجر في خريفٍ مشمس، تجعله يشعر بخدر يسري في جميع أنحاء جسده، يشعر بمغصٍ غريب يعلو معدته يخلق لديه رغبة بأن يكون بجانبها.

يرغب بالتحرك تجاهها، لكن جسده يقف هناك ككتلة اسمنتية!، هو خوف، هو خجل، هو سؤال يدور في رأسه!، لماذا؟!، فيخطو للوراء و يراقبها من بعيد، هو هكذا دائماً يحبّ من بعيد.

تريد أن تغيّر من مقعدها فتسقط مقلمتها و تتناثر أقلام الرصاص!، ياه!، كم لديها من أقلام رصاص!، كلهم مُستهلكين حتى آخر سنتيمتر، يضحك باستخفاف قائلاً لها، هل من الممكن أن تهديني أحدهم.

تفاجئه بابتسامة كشروق الشمس، وتردّ عليه: أيّ واحد تريد؟!، خذ، هذا غير مستخدم، تمد يدها، يتلقفه منها باستهزاء و يضعه على المقعد وكأنّ شيئاً لا يعنيه.

لاحقاً بعد سنين طويلة، يرسل لها رسالة نصية ملحقة بابتسامة حزينة: سأشتاق لك كثيراً، بالتوفيق.

من المفترض أن ينطلق ليودعها في المطار، من المفترض أن تغرق عيونه بالدموع و تبدأ بالانهمار لحظة غيابها عن نظره، فلا يتمالك نفسه ويتجاوز صالة المغادرة و هو يجري خلف الطائرة، صارخاً بأعلى صوته: خليكي!.

لكن ذلك لم يحدث أبداً، بل كان نائماً و قبل ذلك بليلة كان يرقص و يقفز كالقرد!، لا يحبها أبداً، هكذا يقول  لأحد أصدقائه، وبالفعل، كيف لمن يحب أن ينام و حبيبته تطير!.

هو يتذكر تفاصيلها الأنثوية، لا يدري ان كانت أشعة الشمس التي تسقط عليها  فتنعكس عن شعرها بوميض دافىء لتعطيها ايحاء ملائكي، أم أنّ ذلك مجرد ذاكرة ابتدعها خياله، لا يدري لماذا يشعر بالاحتقان عند تلك الذكريات، هل هو الحبّ، أم الحنين!؟.

مازال يحتفظ بالقلم!، لا يدري لماذا، لكنه لا يجروء على رميه، يقبض عليه و يتذكر!، مقنعاً نفسه بأنّه استحق ذلك القلم، وبأنّها قدمته له حقاً كهديّة.

محاولة روائية بسيطة

العصا و المدرسة

لا أدري ان كان الجميع لديهم نفس الذكريات التي أحتفظ بها عن العصا!، ربما جميعنا استرجعنا ذكريات بغيضة في مقاطع الفيديو التي انتشرت عبر الشبكات الاجتماعية [المحجوبة]، وجميع من شاهد تلك المقاطع شعر بالقرف و الانزعاج.

المزعج في الموضوع ليس فقط الضرب، المزعج أنّ من يصور كان يصور باتفاق مسبق مع المعلمة!! [مشان الذكرى].

الضرب وسيلة عفا عليها الزمن، الصورة لـ Philip Howard برخصة سي سي الحرة.

ما علينا،

هذا الموضوع أثار جدل بين مؤيد للعقاب الجسدي و رافض له!، بين مؤيد أنّ وظيفة المعلم ليست فقط بشرح الدروس بل بضرب و ترهيب و رفع الطلاب الفلقة كون “الضرب” جزء من العملية التربوية!.

في حياتي المدرسية تعرضت للضرب مرتين، مرة في الصف الرابع على يد معلمة فقدت احترامي لها و ما زلت أكرهها و أحتقرها للآن، و في الصف الثامن على يد أستاذ الفيزياء و قناعتي الشخصية أنه انسان معقد غير قادر على ادارة الحوار حتى مع نفسه!، في ذلك الوقت لم يكن الضرب ممنوع كما هو اليوم.

السبب الأول كان ببساطة لأنني كنت ألعب في الصف مع أصدقائي في تلك الدقائق التي ندخل فيها الصف بانتظار المعلمة!، أمّا السبب الثاني لأنني شرحت للأستاذ -أثناء توبيخه لزميلي- بأنّه كان مريض و لذلك لم يتمكن من كتابة وظيفته، فاستشاط غضباً، و ضربني بالعصا على أصابعي من الجهة الخلفية بحرف المسطرة وليس على باحة الكف وهو يصرخ من وكلك محامي دفاع [انو ليش طق عصبو وقتها ما كنت أعرف]!!.

قد يجد البعض أنّ الأسباب السابقة موجبة للضرب، والبعض قد يقف ضدها، بالنسبة لي، أنا لست حيوان ليتم ضربي، ولست قليل تربية ليتخذ الأستاذ الكريم مهمة “تربيتي” بالضرب!!.

في ذكرى بارت سيمبسون المشاغب الأكثر شهرة، الصورة لـ Stéfan Le Dû برخصة سي سي الحرة

العقاب…

لنكن صريحين مع أنفسنا، لا يمكن المضي قدماً في هذه الحياة بتفريغ العقاب من مضمونه، لكن يجب عدم الاصرار على طريقة عقاب أثبتت فشلها، العقاب الجسدي في التعليم فاشل لا يؤدي الغرض المطلوب منه، إلا اذا كان غرضه اشباع رغبة سادية في نفس الجلاد.

دعونا نتحدث عن جانب الطلاب، صحيح أن أغلب الطلاب مهذبين بطبعهم، لكن الكثير تتم تنشئتهم على احتقار الأستاذ و المدرسة و اتخاذ الموقف السلبي دائماً.

ومن ذاكرتي عن شغب الطلاب هناك حالتين، الأولى في الثانوية و الثانية في الجامعة!.

في الأولى كان لدينا طالب مشاغب يكره مادة الفلسفة كون قسمنا علمي ولا قيمة لهذه المادة [بنظره]، وأستاذ المادة كان أستاذ مسالم، يشرح درسه و يخرج، في المرحلة الأخيرة كان الطالب يزيد من حقارته و وصل به الأمر إلى الشوشرة على الأستاذ و حتى رميه بطرف الطبشور، فما كان من الأستاذ إلا طرده من الصف، وحين همّ الطالب بالخروج شتم الأستاذ و صفق الباب بكلّ قوته!، إلا أنّ الأستاذ ضبط أعصابه و أكمل الدرس وكأن شيئاً لم يكن.

في الحالة الثانية كانت في الجامعة!! [نعم في الجامعة]، وقتها بدأت موضة الجوالات ذات الكاميرا و النغمات الحقيقية بالظهور، كان الدوام اجباري، مما يعني سيحضر من يرغب بالمحاضرة و من لا يرغب بالحضور ضمن قاعة واحدة، والمشاغبين كانوا يتجمعون في آخر القاعة و يخرجون جوالاتهم و ما إن يستدير الدكتور حتى يشغلون صوت بقرة أو حمار أو صفارة انذار، مما يسبب التشويش، ومن دون أن يتمكن الدكتور من تحديد مصدر الازعاج، مما أفقده أعصابه و صرخ بنا ثم صادر جميع الجوالات في القاعة!.

طيب في هكذا حالات ماذا يفعل الأستاذ، هل يعقل أن يشمر عن ساعديه و يطلب من الطلاب رفع أقدام طلاب الجامعة ليعمل لهم فلقة!!.

جميعنا ندرك نوعية هؤلاء الطلاب، الطلاب المشاغبون، وهم بالفعل عديمي التربية و الاحترام.

لكن الحل لن يكون بالضرب، لأنه و من خلال تجربتي كطالب كنت شاهداً على الكمّ الهائل من الضرب الذي لحق بالمشاغبين و لم يتغير سلوكهم، انما “تمسحوا” يعني صار عندهم مناعة، وشغلة عادية، انو بيجي مالو كاتب وظيفتو، كلها عصايتين و خلص.

لم يعد ينفع العقاب الجسدي في تغيير السلوك، ومن غير المعقول منح الأستاذ حق الضرب بحجة وجود هذه الفئة المريضة، لأنه كما يوجد فئة مريضة من طرف الطلاب، هناك مثلها من طرف الأساتذة، والنتيجة للأسف هي كما شاهدنا من مقاطع فيديو مقززة و مزعجة.

ماذا عنكم؟، ما هي ذكرياتكم عن هذا الجزء من العملية التربوية! “الضرب”؟!.