“الهدنة”

وسوم

, , , ,

أشعر بغضب عارم وحزن عميق يلفني كغمامة تمنعني عن ادراك ما يجول بخاطري بالضبط.

هل هو الرعب أو الخوف الذي هبط علي أثناء قراءتي لرواية ماريو بنديتي “الهدنة” من ترجمة الرائع صالح علماني.

الرواية كانت قصاصات من سجل مذكرات تدور أحداثها في خمسينيات القرن الماضي حيث الأوروغواي بجيش من موظفيها والبيروقراطية والفساد والحركات المنتظمة التي تقضي ع كل شيء في متع الحياة.

الرشاوي لكي تحصل على ما هو حق لك.

واجهت صعوبة في قراءة أسماء الشخصيات بالرواية وسأسردها كما أرغب فالشخصية الأساسية هي سانتينو الموظف الذي شارف على التقاعد بعمر الخمسين عام أرمل منذ كان في العشرينات فزوجته ايزابيلا توفيت في الثامنة والعشرين من عمرها وتركته  وحيدا مع ثلاثة أولاد منهم ابنته بلانكا التي تحمل كاهل المنزل وتعيش في حالة من الضغط النفسي لرؤية التوتر الحاصل بين أخوتها ووالدها فخيمي يبدو أنه انحرف عن جادة الصواب ويتحول إلى مخنث يهوى الرجال واستبيان ينغمس في خطوات الفساد ربما يندم عليها لاحقا.

تسير الرواية بسلاسة وبشكل متوقع حتى ظهور ابيانيدا “لورا” التي تأتي للوظيفة وتصبح تحت رئاسة سانتينو وهي فتاة عادية في العشرينات من عمرها لا تحمل تلك المواصفات الجسدية الهائلة لكنها تبث في روح الرجل الخمسيني شيئا غريبا عليه أن يكتشفه.

في الرواية لم أجد نفسي حتى وصلت منتصفها بدأت أشعر أنني أنا الذي ينساب العمر من بين يديه في حرب طاحنة ووجهي الذي أتفقده أمام المرآة والتجاعيد بدأت تظهر حول عيني وأنفي الذي بدا أكثر ضخامة من قبل!.

ربما ميلادي الذي بلغت فيه الثلاثين من العمر مؤخرا لم يكن صدفة بأن سانتينو بلغ أيضاً الخمسين أثناء قراءتي لمذكراته.

لكنه لم يعش أجواء الحروب ولم يتنشق رائحة الدم المرير الكريه ولم يجد مدنه تتدمر أمام عيناه ولم يعتد أن يفتح دليل هاتفه ليجد أصدقاءه تبخروا من الوجود بفعل قذائف الهاون!.

ربما لم يشاهد أفلام فيها مواطنون من بلده يأسرون بعضهم البعض يأكلون فيها أعضاء بعضهم البعض.

لا سانتينو مجرد آمل بتقاعد هانئ مع حبيبته الصغيرة لورا. وحتى ذلك الوقت وجدت في روايته مبالغة في تقديرها وقد وصلت ختامها حتى حصل ما حصل فيها وحلت الستارة السوداء على مخيلتي وشعرت بالغضب والحزن العميق.

شعرت بأنني سأفقد ما فقده سانتينو فقد تطرق لأكثر فكرة تثير رعبي وقلقي الدائم في هذه الحرب.

الكتابة تتطلب الجرأة وأنا وصلت في حدود من الجرأة لا أستطيع فيه الكتابة فهذه الحرب فيها من الرعب ما يدمر الرغبة بالكتابة.

لكن لكن أن تكون في حالة ركام ويأتي من ينير لك الطريق ويرتفع بك للسماء وفجأة تلتفت لتجده قد اختفى فتصل حدود الارتفاع القصوى وهنا هنا فقط هي الذروة التي يتوقف فيه نبضك وتتعرق بعرقك البارد وأنت تنظر إلى الهوة السحيقة التي عليك السقوط فيها مجدداً ليقع رأسك وسط الركام الذي كنت فيه.

هذا ما فعله ماريو في هدنته. لقد جعل أسفل البطن يختلج ويصعد إلى أعلى صدري لأشعر بالاختناق والغضب.

أي حرب هذه وأي مستقبل ينتظرنا.
ربما بالفعل  كما ترجم صالح علماني هدنة ماريو الشيء الأكثر شفقة هي عندما يدرك الانسان العادي أنه مجرد انسان عادي بالفعل. وأن أمواج البحر ستسمر في مدها وجزرها غير مبالية بشعر ابينانيدا “لورا” الذي ارتد للوراء في مواجهة الريح البحرية وهي تبتسم لك.

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 532 متابعون آخرين