رحلة البحث عن عمل

job-seekingالمدينة لا تنتظر أحد، سرعة تحولها وتطورها في جانبها الذي نجى من الحرب مذهلة. كمية الأموال والأعمال لا يمكن تصديقها لمن يدرك أنّ هذه المدينة خاضت حرب اقليمية على مدى خمس سنوات.

ماذا الآن!؟.

التضخم في البلاد وصل لحدود الـ1100% كل شيء بالنسبة لي أعيده على عشرة لأدرك قيمته الأصلية، لا يمكن لعقلي أن يستوعب قيمة الأشياء وهي في أسعارها اليوم.

اليوم عندما تسير في شارع فيصل يمكنك بوضوح رؤية فروع المصارف وشركات التأمين وهي تنفض عن نفسها غبار الحرب لتعيد افتتاح الفرع بأبهى حلة (فرنسبنك تحديداً)، الزحام الشديد عاد من جديد، وكالات السيارات الفارهة وأسواق بكاملها عادت إلى شريان الحياة الاقتصادية في حلب.

مع سيل الأموال هذا لا يمكنك إلا أن تفكر كيف السبيل إليه.

المشكلة في العلاقات، أغلب الوظائف تتطلب علاقات غير مباشرة ومباشرة لتتمكن من وضع نفسك في المكان أو الفرصة الشاغرة.

لكن مع كلّ هذا يوجد فرصة سانحة مهما كانت ضئيلة تعتبر فرصة يجب استغلالها، وهي التقدم عبر مواقع العمل ولحسن الحظ لدينا موقع خاص بالعمل في سوريا استمر رغم الحرب وما زال يتابع عمله وتتغير فرص العمل في كلّ مدينة حسب العرض والطلب ووصلت طلبات العمل في حلب خلال شهر شباط من عام 2018 إلى 300 فرصة عمل!. لتتفوق على فرص العمل المعروضة في حماة وحمص واللاذقية مجتمعة.

http://job.sy/index.php

الموقع سيطلب منك التسجيل بالبداية وتفعيل الحساب عبر بريدك الالكتروني، تفقد بريدك المهمل فقد تصل إليه.

بعد التفعيل ابدأ ببناء سيرتك الذاتية بالعربية والانكليزية، قم باضافة كافة التفاصيل، سيطلب منك الموقع صورة شخصية، لا تتردد أبداً بوضعها، ولا تطلب جعل سيرتك الذاتية سرية، ضع معلوماتك بصدق، في حال كذبك حول أي شهادة أو خبرة قد يسقط ترشيحك حين توقيع العقد.

عند تقدمك إلى أيّ من الوظائف المتاحة سيطلب منك كتابة رسالة تقديم، هي رسالة بسيطة تبدأ بالتحية على الشركة وتضع تفاصيل حول وضعك الحالي وملخص عن سيرتك الذاتية وتنهيها برقم هاتفك واسمك.

من المهم انتظار 24 ساعة قبل تفعيل سيرتك الذاتية وتذكر أي تعديل عليها ستنتظر 24 ساعة جديدة لتفعيلها من جديد.

منظمات دولية وشركات ضخمة تعمل في حلب، وفي كلّ يوم هناك فرصة جديدة، ومع ذلك سوق العمل يعتبر ضعيف لكن هذا لا يمنعك من تفعيل وبناء سيرتك الذاتية، بدأت في هذا الموقع منذ عام 2006 لكن لم أفعل سيرتي الذاتية عليه إلا قبل أربعة أشهر. حصلت على ثلاث مقابلات عمل عن طريقه خلال تلك الفترة.

وعلى كلّ هو يعتبر جبهة واحدة من جبهات عديدة عليك استهدافها.

المرحلة الثانية هي جمع معلومات وتفاصيل حول الشركات والمؤسسات التي تريد استهدافها. ما نوع وطبيعية مهنتك أو شهادتك، بالنسبة لي اجازة في الاقتصاد تجعلني أستهدف المصارف وشركات التأمين. كان من السهل الوصول إلى معلومات كاملة حول عدد البنوك المرخصة ومواقعها من موقع ويكبيديا، قد يكون مصرف أو شركة تأمين خاصة سقطت أرجو اعلامي بها ان لم تكن موجودة.

البنك تاريخ التأسيس الموقع الإلكتروني
بنك شام الإسلامي 2006 www.chambank.com
بنك سورية الدولي الإسلامي 2006 www.siib.sy
بنك بركة الإسلامي 2009 www.albarakasyria.com
البنك العربي – سورية 2005 www.arabbank-syria.com
بنك عودة – سورية 2005 www.banqueaudi.com
بنك بيمو السعودي الفرنسي www.bbsfbank.com
بنك سورية والمهجر www.bso.com.sy
المصرف الدولي للتجارة والتمويل 2003 www.ibtf.com.sy
بنك بيبلوس – سورية 2005 www.byblosbank.com
بنك سورية والخليج 2007 www.sgbsy.com
بنك الشرق 2008 www.bankalsharq.com
بنك الأردن – سورية www.bankofjordan.com
فرنسابنك – سورية www.fransabank.com
بنك قطر الوطني – سورية www.qnb.com.qa
الشركة المتحدة للتأمين 2006 uic.com.sy
الشركة السورية الدولية للتأمين – آروب 2006 www.aropesyria.com
الشركة الوطنية للتأمين 2006 www.natinsurance.com
شركة التأمين العربية – سورية 2006 http://www.arabiasyria.com/
الشركة السورية الكويتية للتأمين 2006 www.skicins.com
شركة المشرق العربي للتأمين 2006 www.aoic-sy.com
شركة الثقة السورية للتأمين 2006 www.trustsyria.com
الشركة الاسلامية السورية للتأمين 2007 www.siic.sy
شركة أدير للتأمين 2008 www.adirinsurance.com
شركة العقيلة للتأمين التكافلي 2006 www.al-aqeelahtakaful.com
شركة الاتحاد التعاوني للتأمين 2006 www.solidarity-sy.com
السورية العربية للتأمين

 اضغط هنا

الآن ماذا؟.

من المهم عند البحث في مواقع الشركات فهم طبيعة استقبالهم لطلبات العمل، هناك مصارف مثل البركة لديها نظام استقبال طلبات عمل خاص بهم كان من السهل والممتع بناء السيرة الذاتية عليه، وهناك مصارف تعمل على استقبال طلبات العمل عبر رسالة بريد الكتروني، يجب عليك صياغتها بدقة.

في رسائل البريد الالكتروني من الأفضل ارسالها باللغة الانكليزية مع سيرتك الذاتية بلاحقة بي دي اف. ستضطر لكتابة رسالة تقديم كما ذكرت سابقاً فهي بسيطة اكتبها وارفق سيرتك الذاتية وأرسلها.

بعض البنوك سترد بأنها استلمت وتعلمك بأنّ سيرتك الذاتية ستكون ضمن ملف تحت الطلب لمدة ستة أشهر، ان انقضت عاود ارسال الرسالة.

طبعاً هنا نرسل السيرة الذاتية دون ربطها بفرصة عمل محددة، انما بغاية اعلامهم بأننا جاهزين فور توفر أي فرصة عمل.

أخيراً هناك وسائل جديدة مختلفة كلياً عما سبق، وهي التصفح عن موقع الشركة على الشبكات الاجتماعية والرد على اعلانات التوظيف الخاصة بهم عبر التعليقات أو ارسال رسائل مباشرة، وبقدر ما يبدو ذلك غير احترافي قد تتفاجىء بجودة التفاعل وسرعته. وأغلب الشركات في سوريا لديها صفحات عاملة ومحدثة على الفيسبوك، ونادر ما تجد صفحات خاصة نشطة على لينكد ان.

زمن البحث عن عمل عبر الشوارع انتهى وولى إلى غير رجعة، اليوم وحتى في مدن خرجت من رحم الحرب، لا سبيل للوصول إلى العمل ان كنت لا تملك تلك العلاقات العامة هي ببساطة عبر جوالك الذي بين يديك.

هل لديك تعليق حول أيّ من الشركات والمواقع المدرجة سابقاً؟ شاركني تجربتك.

 

“الهدنة”

أشعر بغضب عارم وحزن عميق يلفني كغمامة تمنعني عن ادراك ما يجول بخاطري بالضبط.

هل هو الرعب أو الخوف الذي هبط علي أثناء قراءتي لرواية ماريو بنديتي “الهدنة” من ترجمة الرائع صالح علماني.

الرواية كانت قصاصات من سجل مذكرات تدور أحداثها في خمسينيات القرن الماضي حيث الأوروغواي بجيش من موظفيها والبيروقراطية والفساد والحركات المنتظمة التي تقضي ع كل شيء في متع الحياة.

الرشاوي لكي تحصل على ما هو حق لك.

واجهت صعوبة في قراءة أسماء الشخصيات بالرواية وسأسردها كما أرغب فالشخصية الأساسية هي سانتينو الموظف الذي شارف على التقاعد بعمر الخمسين عام أرمل منذ كان في العشرينات فزوجته ايزابيلا توفيت في الثامنة والعشرين من عمرها وتركته  وحيدا مع ثلاثة أولاد منهم ابنته بلانكا التي تحمل كاهل المنزل وتعيش في حالة من الضغط النفسي لرؤية التوتر الحاصل بين أخوتها ووالدها فخيمي يبدو أنه انحرف عن جادة الصواب ويتحول إلى مخنث يهوى الرجال واستبيان ينغمس في خطوات الفساد ربما يندم عليها لاحقا.

تسير الرواية بسلاسة وبشكل متوقع حتى ظهور ابيانيدا “لورا” التي تأتي للوظيفة وتصبح تحت رئاسة سانتينو وهي فتاة عادية في العشرينات من عمرها لا تحمل تلك المواصفات الجسدية الهائلة لكنها تبث في روح الرجل الخمسيني شيئا غريبا عليه أن يكتشفه.

في الرواية لم أجد نفسي حتى وصلت منتصفها بدأت أشعر أنني أنا الذي ينساب العمر من بين يديه في حرب طاحنة ووجهي الذي أتفقده أمام المرآة والتجاعيد بدأت تظهر حول عيني وأنفي الذي بدا أكثر ضخامة من قبل!.

ربما ميلادي الذي بلغت فيه الثلاثين من العمر مؤخرا لم يكن صدفة بأن سانتينو بلغ أيضاً الخمسين أثناء قراءتي لمذكراته.

لكنه لم يعش أجواء الحروب ولم يتنشق رائحة الدم المرير الكريه ولم يجد مدنه تتدمر أمام عيناه ولم يعتد أن يفتح دليل هاتفه ليجد أصدقاءه تبخروا من الوجود بفعل قذائف الهاون!.

ربما لم يشاهد أفلام فيها مواطنون من بلده يأسرون بعضهم البعض يأكلون فيها أعضاء بعضهم البعض.

لا سانتينو مجرد آمل بتقاعد هانئ مع حبيبته الصغيرة لورا. وحتى ذلك الوقت وجدت في روايته مبالغة في تقديرها وقد وصلت ختامها حتى حصل ما حصل فيها وحلت الستارة السوداء على مخيلتي وشعرت بالغضب والحزن العميق.

شعرت بأنني سأفقد ما فقده سانتينو فقد تطرق لأكثر فكرة تثير رعبي وقلقي الدائم في هذه الحرب.

الكتابة تتطلب الجرأة وأنا وصلت في حدود من الجرأة لا أستطيع فيه الكتابة فهذه الحرب فيها من الرعب ما يدمر الرغبة بالكتابة.

لكن لكن أن تكون في حالة ركام ويأتي من ينير لك الطريق ويرتفع بك للسماء وفجأة تلتفت لتجده قد اختفى فتصل حدود الارتفاع القصوى وهنا هنا فقط هي الذروة التي يتوقف فيه نبضك وتتعرق بعرقك البارد وأنت تنظر إلى الهوة السحيقة التي عليك السقوط فيها مجدداً ليقع رأسك وسط الركام الذي كنت فيه.

هذا ما فعله ماريو في هدنته. لقد جعل أسفل البطن يختلج ويصعد إلى أعلى صدري لأشعر بالاختناق والغضب.

أي حرب هذه وأي مستقبل ينتظرنا.
ربما بالفعل  كما ترجم صالح علماني هدنة ماريو الشيء الأكثر شفقة هي عندما يدرك الانسان العادي أنه مجرد انسان عادي بالفعل. وأن أمواج البحر ستسمر في مدها وجزرها غير مبالية بشعر ابينانيدا “لورا” الذي ارتد للوراء في مواجهة الريح البحرية وهي تبتسم لك.

أهلاً بالأحلام

ربما الذي يعيش على أرض تأكلها نيران الحرب لا يدرك حقاً أنه في حالة حرب!. أدهشني عندما سألني هل في حلب سكان! كان رده هذا عندما شرحت له أن أحدهم باع منزله بثلاث أضعاف قيمته هذا اليوم!.

لم أجادله فما جدوى أن تشرح له أن هذه المدينة المثخنة بالجراح فيها من حركة السوق والزحام ما يدهش للآن!.

تذكرت كيف كنا ننظر لأهل غزة وفلسطين!. نستغرب كيف يعيشون وينجبون الأولاد!.

هل نحن بخير حقاً…

يتصل بي صديقي ويسألني عن أحوالي لينتهي به سؤال بأن مالذي يجعلني قابع في مكاني!.

تحاول في هذه اللحظات تخيل مستقبل بسيناريو معين إما يجعل من اختيارك البقاء قرار سليم وإما خطأ جسيم لكن حقاً… مالذي “يجبرك” على البقاء!.

والدي قال لي: “وين بدي روح بحالي”.

تفتح التلفاز لتشاهد دقائق معدودة منه لتجد أقزاماً يقفزون والكاميرا تلاحقهم في برنامج وثائقي!. قزم يعيش ويثابر على الحياة!. وأنت ماذا!.

تقول في نفسك أن الأمور بخير يمكنك الصمود حتى مرور هذه العاصفة لكن يبدو أنها طالت وبدأت تأخذ منك ريعان شبابك!. أشهرها باتت أيام!. وسنينها أسابيع!. لكن العمر يمضي. وسأبلغ الثلاثين في غضون شهر ونصف!.

تفتح برنامج محادثة ويخطر في بالك متابعة آخر آخبار أصدقائك فتجد صورة لصديقك وزوجته بأبهى حلة!. تسأل نفسك كيف له أن يوفر لنفسه كل ذلك!. ياه باتت أبسط الأمور أحلاماً. لديه تلفاز مسطح!. واو مدهش…

تقول في نفسك يمكنك النجاح بامكانك المثابرة لكن الجدران تتمزق من حولك والموت والخراب والدمار يعانقون السماء ويسحبونها للأسفل بمشهد أقرب للاغتصاب.

تتذكر ماض جميل كنت تبصق فيه وتقول “كس أخت هالزمن” قانعاً نفسك بأن بكرا أحلا. فبات زمن شتمته هو الجميل في حاضرك.

الخذلان الخذلان هو الذي يلاحقك الجميع جعلته الحرب بتصف بصفات النذالة. من كان يلاحقك قبل الحرب بات يدير لك ظهره. فالحرب قاسية والجميع بحاجة للجميع لكن لا أحد يريد حقاً أن يساعد الآخر.

تشعر بالنعاس والبرد تتجه صوب سريرك فقد حان موعد النوم تشكر الرب على سريرك وبطانياتك وفي نفسك شعور خفي بالسعادة. وداعاً أيها الواقع المؤلم.

أهلاً بالأحلام.

استنزاف…

لا أدري كم ستطول هذه الحرب ولا أعلم كم بقي من روحي لتستنزفها. كيف تحولت مشاهد الدمار والخراب وأنهار الدماء إلى مشهد يومي اعتيادي في حياتي.

بت أخشى كل شيء وكل شيء تقريباً يثير قلقي. السفر يجعل عروقي تنتفض خوفاً من أي مفاجأة ورنة هاتف غريب تفجر في خيالي آلاف الأفكار.

إلى متى يبقى السؤال. والقلق يداهمني بشكل دائم. قلق من مستقبل مجهول وحرب لا أجد لها هدف!. فالثمن الذي بذلناه لن يأتينا بأي شيء نستحقه. ما خسرناه كان أغلا بكثير من أي مستقبل ممكن مما يجعل المعادلة خاسرة في كل الأحوال.

أن تشعر أن الأرض التي تدوس عليها متحركة وتغلي وقابلة أن تتهتك في أي لحظة يدفعك للتساؤل عن جدوى بناء حياة عليها!. هل الوطن يلفظنا! أم طوابير الناس تقفز في البحر تسبح للضفة الأخرى بالغت في ردة فعلها!.

أملي أن تمضي الأيام وأعود لقراءة ما كتبت على أنه جزء من تاريخ مؤلم لن أنساه ما حييت.

أملي بقرارات جريئة خلال السنة القادمة  تكون على قدر شجاعة شهداء هذا الوطن الغالي تفضي بوقف هذه الحرب قبل أن نستنزف الرمق الأخير من بقايا حلم بحياة أفضل.

ربيعي الثامن والعشرون!…

كان تاريخ ميلادي حين قررت الذهاب إلى البحر. كان ذلك في العشرين من آذار من العام السابق. بعد أن دام على بقائي في عزلة طويلة امتدت حتى عشرة أشهر لم أغادر فيها مكاني واعتكفت في غرفتي أقرأ الكتب وأشاهد الأخبار في مدينة تمزق نفسها وتشق صدرها من قهر وألم بلغ ذروته.

أصحو الليل ألاعب فيه جوال عتيق ومن بعيد يبدو لي وميض القذائف ليصل إلي الصوت بعد برهة كرعد يشق كبد السماء.

أنام الصباح وأستيقظ مساء قبل الغروب أطهو ما تيسر لي من الطعام وأضع سماعات أذني وأذهب أعلا التل لأفترش التراب أشاهد الشمس وهي تغيب مع أصوات عزف مالك جندلي لأوغاريت الدمار والحرب.

بت أخشى الأخبار وأكره التلفاز. يصعب علي تصديق ما حل لمدينتي!. ما كان غير معقول أصبح أمر واقع… تتحدث بينك وبين نفسك!. تنفرد الكلمات من فمك بشتائم عن من استباحو مدينتك دون جدوى ودون حساب فراحت أحيائها تفرغ من أهلها وتفقد شيئاً فشيئاً من بريقها حتى أخيراً باتت في عتمة وظلام! يضيء ليلها أصوات النار والحديد المعجون في مشهد بات أقرب لما أشهده كل يوم في عزلتي.

عشرة أشهر قضيتها هكذا حتى رتبت حقائبي وقررت الذهاب إلى البحر في ربيع آذار. ربيعي الثامن والعشرون.

خرجت من عزلتي وانتظرت من يقلني وفي قلبي قلق وخوف. كانت تغطية الانترنت على الهاتف الخلوي مقطوعة حيث أنا فبدأت أتفقد هاتفي العتيق كل فترة  لعلني ألتقط اشارة الانترنت. ارتفعنا في الجبال فاشتعل مؤشر هاتفي وارتعش بين يدي يتلقى الرسائل.

أدقق بحال المسافرين معي. امرأة وطفلها وصبية بين شابين يبدو أنهما زميلاها في الجامعة يحاول كل منهما جذب اهتمامها في حديث حول الطريق والحواجز العسكرية.

وأنا أترقب مشهد اعتدت لقاءه مع أهلي كل صيف. اليوم أسافر وحدي مع أمل تمكن الأهل من الوصول إلي هناك.

كان المشهد ذاته وكأنه لم يتغير أبداً. بضع سفن تمخر عبابه بسلام!. مددت رأسي من الشباك قليلا لعلي أتنشق من هواءه العليل.

آه يا أيها البحر…كم أنت أزرق وجميل…يا ليتني باخرة تمخر عباب البحر. فتحت جوالي وكتبت ذلك لعل أحدهم مستيقظ ليشاركني فرحتي.

فرحتي!…

وددت لو أمسك هاتفي وأطلب رقم من أحب لأقول له كم أريد أن أكون معك على باخرة من هذه البواخر…

لم يكن هناك من رقم على هاتفي معنون باسم من يشاركني حياتي!…

تشعر بأن حياتك سلسلة من الروتين الممل بلا ألوان. بضعة أخشاب مركبة فوق بعضها بدون هدف ولا غاية. تكدس الأخشاب على أمل أن تستخدمها في شتاء عاصف لكنها تصبح كومة من الأخشاب فقط. تقف فوق بعضها كسد كبير عن تجارب الحياة.

تتذكر بحسرة تجارب حياتك من الرفض العاطفي إلى نهاية عبثية لكل ما خططت له من حياتك.

كيف سقطنا في هذه الحفرة!…

لا تدري كيف ولماذا قررت الذهاب إلى البحر أصلاً. لماذا تطلب رقم هاتف معين وتقرر قضاء السهرة هناك في ذلك الوقت من السنة!… هل هو القدر!.

أتلعب الشدّة?

كان الجو بارداً لكن كنت أشعر بحرارة تصدر عنها!. مذ دخلت الغرفة بصوتها الدافئ وشعرها الذي يميل على احدى كتفيها كشلال يحيط بعيون زرقاء لا تخطئ هدفها…

كانت قد رمت شعلتها فوق ركام أخشابي وانتهى الأمر… النار اشتعلت وبدأت تذيب الجليد في روحي وتنير زوايا مقفرة مهجورة من نفسي.

أتلعب الشدّة قالتها!… وكأنني فقدت لساني!. من قال أن المرأة كائن ضعيف!. في تلك اللحظة كنت قد استسلمت بالكامل لها وأنا أراقبها تتحرك وتضع الأوراق بأناملها الملونة الناعمة والطرية وتتحدث بصوت عذب يليه ضحكات لطيفة تخفيها بوضع يدها على فمها وجسدها يهتز وهي تغمض عينيها برقة. لكن بريقهما الأزرق يصرّ على التسلل من بين رموشها ليخترق صدري ويشقه بطوفان كبير جرف كل شيء معه ولم يترك في نفسي إلا بساتين وأراض ارتوت حتى الشبع من بهجة كدت أنسى أنها حقاً موجودة!.

كانت كملكة تملك مفاتيح قصر نسيت أنه موجود في قلبي. بدا وكأنها تدرك هذا القصر وتعرف تماما أين يجب أن تتحرك وفي يدها مفاتيح لا أدري من أين حصلت عليها تعرف كل واحد لأي باب. دخلت بثقة وبدخولها تحلّ البهجة لترسم على صدري ابتسامة تنهي عزلتي.

كانت كمن يأتي إلى بيتك ويفتح فيه جدران لم تدرك أنها أبواب! وتخرج صندوق ظننت أنه مقفل للأبد لتحرك بأصابعها رمز الوصول وتفتحه لينتشر منه سحر يحول كل ضجيج في حياتك إلى سكون مريح لألم مبرح في رأسك…

لم أستطع أن أبتعد بتفكيري عنها ذلك اليوم. انتهت الحرب بالنسبة لي!. وضعت سماعاتي أود أن أستمع لموسيقى تعبر عما في صدري فلم أجد ما أريد.

فجأة انهالت علي صور من الحياة تبدو فيها تعانقي وتمسك بيدي! وكأنها تدعوني لأكتشف العالم من جديد.

تدعوني لنمارس دهشتنا لهذا العالم!.فجأة بدا لي أن سهرة التلفاز وقليل من الفشار بوجودها هو أكثر مما أطلبه في حياتي.

فجأة…
ولدت من جديد.

فوضى الحروف!…

شعور بأفكار مبعثرة وحروف متكسرة تهيم في سائل دماغي بات أشبه بحطام سفينة استقرت في قاع محيط ابتلع كل ما فيها بعد أن كسر ظهرها أثناء غرقها.

عن أي شيء أتحدث!. حرب دامت سنوات فاقت بوحشيتها وغزارة دمائها ما قرأت عنه في الكتب والتاريخ ولهذه اللحظة لا أستطيع تخيل أني حقاً وسط دوامة حرب لا نتيجة لها سوى الحسرة والدموع…

أشاهد فلم أمريكي على جوال أمريكي يعمل على برنامج تشغيل أمريكي يتحدث عن شخصية تدعى جاك ريتشر المحقق العسكري الذي أتى ليدفن قناص توعد له بالموت ان عاود الكرة ومارس القتل العشوائي كما فعل في بغداد لكن هذه المرة يعود ليكتشف أن القناص بريء وأن القصة قد لفقت له. توم كروز يوحي لك بأن القوة هي الحل وأن الحق يحتاج لقوة.

ربما توقعت أن تكون تدوينتي هذه بعد كل هذه المدة أغنى وأكثر فكراً بدلا من تسلسل عبثي للأفكار.

ما ان تبدأ الضغوط بالتكاثف عليك حتى تصل إلى فترة تفلت فيه الحبال وتترك لنفسك قرار المسير مع سيل جارف عاجز أن تقف في وجهه.

سيول الكراهية والحقد والغضب!…

مجازر تلو مجازر وجنون يتقد في عيون الناس يجعل من الصعب عليك أن تتعاطف مع أحد وتسير بلا مبالاة تؤمن بأن الحظ وحده حليفك!…

تجلس اليوم في ظل شجرة وغداً ينفسه صاروخ ويقتلع شجرتك من جذورها وأن تقول في نفسك كان لغروب الشمس في هذا المكان قصة ومعنى.

صداع في الرأس لا ينتهي! مضى سنة ونصف على  هذا الصداع وأشعر براحة كبيرة عند الضغط على صدغي معاً بقوة وكرد فعل لا أشعر به دموعي تملأ محجري عند شعوري بالراحة!.

صوت حبيبتي. وقع أقدامها على البلاط الدافئ وهي ترتدي خف مزركش في مقدمته. تسير بخطوات سريعة تكاد لا ترفع قدميها عن الأرض لتجلس بجانبي خجلة وتهمس لي بأنها تحبني…

في عيونها زرقة البحر وفي روحها بساطة السلام. تصبح الأصوات أكثر وضوحاً في حضورها ولصوتها طراوة مرهم تبرأ الجروح في صدري المثقل بالجروح.

وددت أن أحرر نفسي بالقراءة والكتابة. ولكن كلما كتبت أشعر بأني مقيد! وللقيد خوف يعتري النفس من واقع يبدو أنه سيتمدد ويطول.

تصبحون على سلام.

ربيع!…

أحقا! قالها بانفعال! جميع المحلات؟ -يستفهم- . حسنا حسنا سآتي فورا.

انفعل أبو خالد كما لم ينفعل يوما على نبأ افراغ جميع المحلات من محتوياتها. جاره في العمل قال له انهم تسللوا ليلا مع سيارة شاحنة. وكما تفرغ القمامة. أفرغوا المحلات بالقوة وانطلقوا.

أصر أبو خالد على عدم بيع محله في الآونة الأخيرة. فبضاعته لم تعد رائجة على حد قول جاره صاحب متجر اكسسوارات الحاسب. حيث رغب جاره بتوسيع محله وما يعيقه هو متجر أبو خالد.

كانت الساعة العاشرة وعشر دقائق صباحا!. نظر أبو خالد إليها نظرة المنهزم. وهو رجل ستيني. بشعر أبيض وعيون ملونة لم يتقوس ظهره بعد. يرتدي قميص صيفي وبنطال قماشي دون أن يخرط قميصه بالبنطال. هو منهمك بنفسه هذه المرة! أخرج دفتر حساباته لكي يجرد بالضبط ما لديه. بدأ يقلب بصفحاته على عجل وهو يرتدي حذائه بدس قدمه فيه. استفسرت زوجته فأجابها بأن المحل قد سرق. وأفرغت جميع محتوياته! قالها بصيغة فرحة..تقريبا! كانت زوجته قد عدلت جلستها في السرير لتسمع الخبر لكن عند ذكر موضوع سرقة المحل تثاءبت وودعته وهي تشك حقا أنا أحد ما سرق المحل!.

خرج يحسب ويطرح. وصل إلى سيارته البيجو 104 فرنسية الصنع ورثها عن أبيه عند زواجه وهي على حالها تقريبا… قلنا تقريبا!.

يحرك ذراع علبة التروس المركب على المقود بصعوبة وتتحرك عنفاتها التي تصدر صوت تنفس شخص بدين يزرف العرق صعد لتوه ألف درجة!.

أيعقل أنهم أفرغوا كل البضاعة!؟ قال لنفسه. فالبضاعة ثقيلة وتشغل مساحة واسعة!. أرجو أن لا يكون قسم المواد الجديدة. ربما المستعملة. ربما أحرقوا البضاعة! لا لا غير معقول! تساءل أبو خالد عن موقف شركة التأمين هذه المرة هل ستسدد له أم ستدرج مصيبته تحت بند “خسائر حرب”.

اقترب من محله المطل على الشارع العام. أوقف سيارته ونزل منها بسرعة تاركا الأبواب مفتوحة. كانت الدرابية مشقوقة والأبواب محطمة!.

تمهل قبل دخوله فقلبه يرتجف خوفا مما سيراه! ثلاثون سنة وهو في هذا المحل. لديه علاقة صداقة قوية مع بضاعته. بعضها يصل لعشرات السنين والأخرى قد تصل إلى حد يتمسك ببضاعته دون بيعها.

نظر إلى لافتة محله: “مكتبة ربيع”. أسماها تيمنا بصبي توفي قبل أن يولد في بطن أمه. تلقى نبأ حبل زوجته بفرح وسعادة. ولده الأول. رافق زوجته في زيارات الطبيب وقرر أن يسميه ربيع ان كان ذكر و نوارة ان كانت أنثى. هكذا الحياة كنوارة الربيع!. لكن… رغم كل التحضيرات والتجهيزات والاستعدادات… خرج ربيع ميتا من بطن أمه!. لا يعرفون بالضبط متى توقف على أن يكون ربيعا! صفعه الطبيب على قفاه مرة. مرتين. ثلاث. كي يأخذ شهيقه الأول. لكن عبثا يفعل. كان ميتا. جثة هامدة!. قرر في حينه تسمية مشروعه -مكتبة حقيقية وليس مجرد قرطاسية- “مكتبة ربيع”.

دخل ويده على قلبه! كانت آثار الزجاج في كل مكان ورائحة بارود قديم تعبق المكان. مد يده إلى وصلة النور وأضاء محله.

تلفت يمنة ويسرى. مسح عرقه. ووقف واضعا يد على خصره والأخرى على فمه! وأطلق ضحكة هستيرية انتهت بنوبة بكاء وألم. كانت رفوف المكتبة على حالها. كل الكتب مكانها إلا من بضع منها تناثرت على الأرض بفعل اطلاق النار على الزجاج. جميعها هنا القديم والجديد وحتى نسخة موبي ديك بطبعتها النادرة المفضلة لديه والتي يرفض بيعها كانت مكانها بجانب علبة الصراف القديمة الميكانيكية والتي نسفت ومزقت وأفرغت من محتوياتها!. ولا حتى كتب الباه ولا حتى كتب الكاماسوترا ولا حتى رف الكتب الايروتيكية المخفي برف متحرك للكتب الدينية. كلها هنا!.

ضحك بتعب وسخر من نفسه حرك يديه بلا مبالاة ثم تناول كتابه المفضل من جانب الصراف وخرج!. هكذا دون أن يغلق الباب أو حتى أن يطفىء الأنوار!.

حررت في 23 تشرين الثاني 2012.