أحقا! قالها بانفعال! جميع المحلات؟ -يستفهم- . حسنا حسنا سآتي فورا.

انفعل أبو خالد كما لم ينفعل يوما على نبأ افراغ جميع المحلات من محتوياتها. جاره في العمل قال له انهم تسللوا ليلا مع سيارة شاحنة. وكما تفرغ القمامة. أفرغوا المحلات بالقوة وانطلقوا.

أصر أبو خالد على عدم بيع محله في الآونة الأخيرة. فبضاعته لم تعد رائجة على حد قول جاره صاحب متجر اكسسوارات الحاسب. حيث رغب جاره بتوسيع محله وما يعيقه هو متجر أبو خالد.

كانت الساعة العاشرة وعشر دقائق صباحا!. نظر أبو خالد إليها نظرة المنهزم. وهو رجل ستيني. بشعر أبيض وعيون ملونة لم يتقوس ظهره بعد. يرتدي قميص صيفي وبنطال قماشي دون أن يخرط قميصه بالبنطال. هو منهمك بنفسه هذه المرة! أخرج دفتر حساباته لكي يجرد بالضبط ما لديه. بدأ يقلب بصفحاته على عجل وهو يرتدي حذائه بدس قدمه فيه. استفسرت زوجته فأجابها بأن المحل قد سرق. وأفرغت جميع محتوياته! قالها بصيغة فرحة..تقريبا! كانت زوجته قد عدلت جلستها في السرير لتسمع الخبر لكن عند ذكر موضوع سرقة المحل تثاءبت وودعته وهي تشك حقا أنا أحد ما سرق المحل!.

خرج يحسب ويطرح. وصل إلى سيارته البيجو 104 فرنسية الصنع ورثها عن أبيه عند زواجه وهي على حالها تقريبا… قلنا تقريبا!.

يحرك ذراع علبة التروس المركب على المقود بصعوبة وتتحرك عنفاتها التي تصدر صوت تنفس شخص بدين يزرف العرق صعد لتوه ألف درجة!.

أيعقل أنهم أفرغوا كل البضاعة!؟ قال لنفسه. فالبضاعة ثقيلة وتشغل مساحة واسعة!. أرجو أن لا يكون قسم المواد الجديدة. ربما المستعملة. ربما أحرقوا البضاعة! لا لا غير معقول! تساءل أبو خالد عن موقف شركة التأمين هذه المرة هل ستسدد له أم ستدرج مصيبته تحت بند “خسائر حرب”.

اقترب من محله المطل على الشارع العام. أوقف سيارته ونزل منها بسرعة تاركا الأبواب مفتوحة. كانت الدرابية مشقوقة والأبواب محطمة!.

تمهل قبل دخوله فقلبه يرتجف خوفا مما سيراه! ثلاثون سنة وهو في هذا المحل. لديه علاقة صداقة قوية مع بضاعته. بعضها يصل لعشرات السنين والأخرى قد تصل إلى حد يتمسك ببضاعته دون بيعها.

نظر إلى لافتة محله: “مكتبة ربيع”. أسماها تيمنا بصبي توفي قبل أن يولد في بطن أمه. تلقى نبأ حبل زوجته بفرح وسعادة. ولده الأول. رافق زوجته في زيارات الطبيب وقرر أن يسميه ربيع ان كان ذكر و نوارة ان كانت أنثى. هكذا الحياة كنوارة الربيع!. لكن… رغم كل التحضيرات والتجهيزات والاستعدادات… خرج ربيع ميتا من بطن أمه!. لا يعرفون بالضبط متى توقف على أن يكون ربيعا! صفعه الطبيب على قفاه مرة. مرتين. ثلاث. كي يأخذ شهيقه الأول. لكن عبثا يفعل. كان ميتا. جثة هامدة!. قرر في حينه تسمية مشروعه -مكتبة حقيقية وليس مجرد قرطاسية- “مكتبة ربيع”.

دخل ويده على قلبه! كانت آثار الزجاج في كل مكان ورائحة بارود قديم تعبق المكان. مد يده إلى وصلة النور وأضاء محله.

تلفت يمنة ويسرى. مسح عرقه. ووقف واضعا يد على خصره والأخرى على فمه! وأطلق ضحكة هستيرية انتهت بنوبة بكاء وألم. كانت رفوف المكتبة على حالها. كل الكتب مكانها إلا من بضع منها تناثرت على الأرض بفعل اطلاق النار على الزجاج. جميعها هنا القديم والجديد وحتى نسخة موبي ديك بطبعتها النادرة المفضلة لديه والتي يرفض بيعها كانت مكانها بجانب علبة الصراف القديمة الميكانيكية والتي نسفت ومزقت وأفرغت من محتوياتها!. ولا حتى كتب الباه ولا حتى كتب الكاماسوترا ولا حتى رف الكتب الايروتيكية المخفي برف متحرك للكتب الدينية. كلها هنا!.

ضحك بتعب وسخر من نفسه حرك يديه بلا مبالاة ثم تناول كتابه المفضل من جانب الصراف وخرج!. هكذا دون أن يغلق الباب أو حتى أن يطفىء الأنوار!.

حررت في 23 تشرين الثاني 2012.

Advertisements