هي قصتين، لا أدري ان كانت الأولى تدخل ضمن نطاق القصص، كونها بدأت في مرحلة مبكرة، مرحلة مليئة بالبراءة والشغب.

هذا يا سيدي في مجتمعنا هناك جماعة لونهم أصفر، وجماعة لونهم أحمر، والأصفر بيطلع منو شي كذا لون، في عندك أصفر زيرقوني، وأصفر مخضر، وأصفر شكليطة، أمّا الأحمر ما عندي فكرة كتير عنو بس بعرف انو كمان في منو أحمر على أزرق، وأحمر على أسود وخود بقا على تدرج ألوان.

كل جماعة من هؤلاء يكنّ كل الاحترام للآخر ضمن مجال الحياة اليومية، لكن اياك والتداخل، ايااااااك تسليط الأصفر ع الأحمر اذ يعتبر ذلك خط أحمر، لأ يا ربي هيك ما بيمشي الحال، منعيدها.

إياك خلط الأصفر بالأحمر إذ يعتبر ذلك كفراً بسياسة الألوان، وربما تنتهي بخروجك من معادلة الألوان لتصبح بلا لون، والله معك، إنت الحلقة الأضعف.

خلونا ندخل بالمفيد….

القصة الأولى: كانت لصديق عزيز لي من جماعة الحمر، أحبّ فتاة من حارتنا من جماعة الصفر.

كان ذلك في سنة 1997، حيث كان عمره آنذاك 11 سنة أو ربما أكثر، وفي هذا العمر نسمع عن الحب الناضج، و ربما نكون على عتبات فقدان براءتنا انما كنّا بريئين بكلّ ما من الكلمة من معنى.

كان يحدثني عن حبه لها، كنت أستمتع بالانصات له، حديثه عن خفقان القلب و الشغف لرؤيتها يشدني، والتشفيط بالبسكليت تحت بلكونتها. أو تزعم مجموعة بسكليتاتجية حيث ينطلقون كالصاروخ أمامها عندما يلمحها مع صديقاتها أثناء لعبها لعبة ما من لعبات البنات.

تماماً كشعور الكابتن مازن يلي قلبو مدري شبو من مسلسل الكابتن ماجد وهو يلعب كرة القدم بمهارة أمام صديقته التي تجمعه معها علاقة حبّ لم أفهمها حتى الآن.

في ذلك الوقت، من لحظة العودة من المدارس إلى غروب الشمس، الحارة كانت لنا، صديقي كان محبوباً من أبناء الحارة، وهي أيضاً، مما دفع الجميع بشكل عفوي وتلقائي لتسهيل مهمتهم.

كان كل شيء بريء و عفوي إلى أن تطورت العلاقة لتصل إلى الهاتف، حيث تدبر صديقي طريقة للوصول إلى حبيبته عبر الهاتف.

إذ لمح خط هاتفي مزلط [يعني عاري]، عند مدخل البناء، فتدبرنا سلك هاتفي طويل، وربطنا الخط معه، وبدأ بسلسلة من الاتصالات حتى تمكّن من سماع صوتها.

كان يضع يده على السماعة و ينظر إليّ بسعادة عارمة وهو يقول: “لك رديت، رديت!”، فأبتسم وأخلي له الجو.

في ذلك الوقت لم يتبلور لدينا بعد مفهوم الأحمر والأصفر!!.

صاحب الخط الملطوش كشف خطتنا، حيث تعرف على صوت صديقي كونه من البناية نفسها!!.

لا أدري كيف وصل الأمر إلى والدة صديقي، وهنا بدأ تدخل الأهل، في البداية كان الأمر طريفاً، انو يقبشني عشقان الصبي، لكن عندما طالت العلاقة وتخرجنا من الابتدائي المختلط إلى جحيم العزل الاجتماعي في الاعدادية، بدأت لهجة الأهل تتغير، خصوصاً عندما التمسوا حجم العواطف التي يكنها لها.

أثناء لعبي في الحارة، نادت عليّ والدة صديقي، لأساعدها على حمل أكياس الخضار، صفيت بسكليتي وحطيت الأكياس في سلة دراجتي وبدأت بتدريج الدراجة إلى المنزل.

هنا فاجئتي بحديثها عن الفتاة من الجماعة الصفراء، ما زال الحديث محفور حفر في ذهني.

قالت لي: علوش هي البنت بدها تروح رفيقك، هي شيطانة، بدها تجرو لعندها، هي فلتانة مو وراها شي، رح تروحوا عن دراستو، هي بدها تاخدو مننا [وهنا استعملت لفظ نحن]، كون هو صديقي العزيز، ثم أكملت، لازم أنا وأنت نشتغل على فصلهم عن بعض، لازم ننقذوا.

بصراحة كرهت الفتاة جداً بعد هذا الحديث، شعرت بأنها بالفعل شيطانة، وبأنني في مهمة لانقاذ صديقي، أحسست بخبث تلك الفتاة عندما تداعب شعرها وهي تقترب منه، غريب كيف كانت تلك الحركة قمّة في الرومانسية البريئة، ثم تحولت إلى شرّ مستطير.

على ما يبدو كان هناك غضب من أهل الفتاة أيضاً، لأنو فضحتهم بالحارة، وتم اتخاذ القرار على أعلى المستويات، وبالتهديد والاقناع والترهيب، تم التخلي عن الفكرة برمتها.

أذكر لقائهم الأخير، بالحديقة الفاصلة بين منزله ومنزلها، كانا قريبين من بعض، سلمها صورة له، وسلمته صورة لها، لم ألمح صديقي مذ ذلك اليوم يتحدث عن الحبّ، وحتى في اهتمامه بفتيات حمر، لم يبدي ذلك الشغف، ربما أصبح كتوم جداً، أو ربما لم يعد يهمه الأمر.

وانتهت قصتهم….أو ربما لم تنتهي.

القصة الثانية هي من عالم الكبار، النضوج، لا براءة هنا ولا بطيخ مبسمر، هي علاقة سعى فيها صديقي الأصفر سعي جدي للارتباط بفتاة التقاها في كليته، أيضاً صفراء، لكنها صفراء ع فضي مدري خمري، لونها [فاقس]، مدري صديقي لونه [فاقس]، المهم التنين ألوانهم فاقسة ع بعضها.

أذكر أنّ صديقي كان تعيس من الحبّ!، وفجأة انبثق كالحياة، وسرعان ما بدأ اسم حبيبته يطغى على كلّ شيء، يحدثني ساعات طوال عن عشقه لها، كم هي ودودة ومتفهمة، ومتقبلة له، داعمة، وأساس وركن وحضارة وتقدم.

لم أقتنع في البداية، اذ ما هذا الحب البطيخي الذي ينفجر في أسبوع!.

سرعان ما بدأ الغليان يهدأ، كانا أشبه بقنينتي كاظوظ فاروا ع بعض، لكن ما ان تبددت الرغوة، اتضح أنّ القنينتين أصبحتا قنينة واحدة، صديقي هنا ليس ولد صغير، بل خريج جامعي، وهي أيضاً.

نية علاقتهم هي الارتباط بكلّ بساطة وتأسيس أسرة، لم نعد نتحدث هنا عن فزلكات عاطفية، بل عن مشروع تأسيس أسرة!، أهمّ خلية في المجتمع.

وكالعادة، بدأ الأمر من قبل الأهل، انو ييي، يقبشني الصبي عشقان!، ييي دخيلو أنا، لكن ما ان بدأت الهدايا الرومانسية الرمزية تتدفق، ومن ثم طرح حقيقة لون كلّ منهما، أصبح الشغل الشاغل هو كيف نفضي غازات هل الكاظوظة.

الاثنين هنا من نفس اللون، لكن التدرجات اللونية كانت كفيلة بضرب المشروع كله، والحجة هي أنّ هذه الفتاة لونها فاقس [باهت]، طبقاً للون صديقي.

صديقي مصرّ على اختياره وماضِ في قراره، واليوم أصبح كافراً بلون عائلته، كافر لا لون له، ولا قيمة، جميع أخلاقه و طباعه وجهده في تكوين شخصيته ذهبت أدراج الرياح مع خطيئته الكبرى في حمل مشاعر تجاه انسانة فهمته ومستعدة للمضي معه قدماً لكن لونها فاقس، يعني مو غامق متل لون صديقي، والفتاة على ما يبدو الطريق أمامها أيضاً صعب وطويل، فلون صديقي بالنسبة لهم، غامق ما بيمشي معهم.

هل يمكن خلط الألوان حقاً؟، الغالبية العظمى في بلدي بألوان مختلفة، لكن في حقيقة الأمر، نمط حياتهم اليومية لا علاقة له بلونهم، ربما تكون هناك خطوط أساسية لا يتم تجاوزها [علناً]، لكن في صميم أغلب الأشخاص الذين التقيت بهم في حياتي لا يعكسون اللون الذي وسموا به.

بس اذا حميت الطاسة، الله يجيرنا!!.

ما زلت أفكر بالموضوع ولم أحدد موقفي منه، إذ لا يمكنك تجاهل تأثير الألوان، تأثيرها موجود في صميم شخصيتنا، مهما حاولنا عكس صورة، أننا لا نهتم بـ الألون، فإنّ هناك بذور في أي لحظة من الممكن أن تنمو معيدة الحياة إلى لوننا الأساسي.

أليس من الضروري الحفاظ على اللون، ومتابعة مسيرته، فهو سبب وجودنا، وخلاصنا في ما بعد الحياة، ومن يختلف معنا في اللون قد يشوش على رحلتنا الدنيوية هذه.

أمّ أن ذلك مجرد تخريفات وتعدي على مفهوم المواطنة، ولم يكن اللون يوماً سبباً في الاختلاف، انما انعكاس اللون علينا، نحن من نعكس الألوان مشوهين هدفها، محولين اللون إلى سمّ قاتل للنفس والروح والحياة.

أليس من الممكن أن يكون خلط الألوان سبباً في التقدم ومنح الفرصة للأولاد لاختبار تمازج لوني فريد قد يجمع الأفضل من الطرفين لينتهوا في قرارة نفسهم إلى اختيار اللون الخاص بهم.

أو ربما يكون مدمر تماماً لكلا اللونين، مؤدياً إلى تخلي الطرفين عن لونهما بكلّ ما فيهما  وذلك ضماناً لاستمرار علاقتهما محطمين حلقة الوصل الأساسية في متابعة اللون لاستمراره، وبذلك تكون مخاوف الأهل جميعها في مكانها.

لو كنت على جزيرة نائية، متل اجري، بعمل لون جديد وبخلص من كل هل القصة، لكن أن تكون مع المجتمع  سيكون تجاهلك للألوان مصيبة، إذ كل لون له قوانيه، ربما مشاكل التدرجات اللونية محلولة، نصف مصيبة، يعني بنت لونها فاقس [باهت]، منغمقها مو مشكلة، لكن لونين مختلفين، لعمى، وليي، ممكن توصل الشغلة لقطع الراس!!.

أنا لا أتحدث عن اللون بذاته، فهناك ألوان مرنة جداً [إلى حد ما] في خلط الألوان، انما المشكلة في الواقع وطريقة عكسنا أو رؤيتنا لهذا اللون، طريقة تعاطينا معه، ومدى التزامنا بالمرونة الموجودة أصلاً فيه، نحن السبب في نشوء عصبية اللون، حتى وعلى مستوى اللون الواحد.

أعتقد أن موقفي عبثي [لا أدري] للغاية في هذا الموقف، خصوصاً عند ربط الموضوع بالمحيط الاجتماعي والقانوني، ماذا نختار، خيار القلب أم العقل؟.

Advertisements