حضارة الموت…

وصلني بريد بعنوان “زيارة إلى فلسطين المحتلة” وتقول الرسالة أنّ الصور المدرجة هي لتل أبيب عاصمة كيان الجحيم، ويطلب نص الرسالة المقارنة مع فلسطين، ولا أدري ما هو المقصود بهذا التعليق، والرسالة شبيهة برسالة أخرى وصلتني سابقاً، تتحدث عن روعة الحدائق في كيان الجحيم، حدائق خلابة المناظر وتمت هندستها بطريقة رائعة، ويقول ماذا كان سيفعل الفلسطينيون بهذه الأرض لو كان لهم حق ادارتها، ملمحين ومشرعين الاحتلال بطريقة غير مباشرة، ضاربين بعرض الحائط حق العودة لملايين البشر بسبب شعور القنوط واللامبالاة الذي يصيب سكان مدن عربية لا يدرك مهندسينها كيف يقومون بتزفيت شارع، بلاد عربية تُخرّج المهندسين والمعمارين والأطباء بالآلاف، ومع ذلك جميعهم صفر على الشمال في بلادهم لكن سبحان الله كيف تتفجر ابداعاتهم في دول ما خلف المحيطات.

كاريكاتير للفنان السوري ياسر أحمد

كاريكاتير للفنان السوري ياسر أحمد

بعيداً عن التعميم ولسنا هنا في محلّ لتبرير الفساد أو اثبات أنّنا نحن أيضاً لدينا مدن نفتخر بها انبثقت من الرمال ووصلت شهرتها لتنافس مدن أوروبية وغربية بالتقدم والتطور، وبعيداً عن الجدال حول ما إذا كانت ضريبة هذا التطور التضحية بالهوية وثقافة السكّان أم لا.

الفكرة [التغني بحضارة العنصرية] بحد ذاتها فيها تحقير للانسانية، أن نتغنى بحضارة الصهاينة المصطنعة من جنسيات لا علاقة لها بالصهيونية وابداعاتهم التي لم تكن لتكون لولا الهجرات المستمرة من قارات متقدمة ومتطورة بأشواط على بلداننا، يعني استيراد مباشر لانسان متطور عقلياً وفكرياً يمكنك مباشرة دمجه في عملية البناء عكس ما يحدث لدينا، اذ أول ما يتخرج الطالب ويثبت تفوقه وتقدمه نحجز له على أول طائرة، ولن ندخل في أسباب الهجرات لأننا جميعاً ندركها.

هل هذا تبرير لتخلفنا، لا أبداً، لكن لا بد من وضع النقاط على الحروف. فتطورهم لا علاقة له بانتماءهم الصهيوني أو حتى دينهم، بل كان نتيجة استيراد مدروس لعقول نشأت في بلدان وقارات متقدمة بأشواط على غيرها.

هل فكر أحدكم في البحث حول اقتصاد ألمانيا النازية؟ هل تعلمون أنّ ألمانيا خرجت من الحرب العالمية الأولى مهزومة تماماً لا بل محطمة وممرغ أنفها في التراب، لا بل فرضت عليها فواتير حرب وعقوبات اقتصادية وتقييد على جيوشها وصناعاتها العسكرية، انهارت الصناعات ودمّر اقتصاد البلد ووصل التضخم إلى مراحل خيالية في سنة 1923، مدمراً الطبقة الوسطى في المجتمع، وصل بهم الأمر إلى تحول أغلب الشعب إلى مشردين، ومن لم يتشرد دخل تحت خط الفقر، ومع قدوم أزمة الاقتصاد الكبرى سنة 1929 التي تشبه ما يحدث للعالم اليوم، تضاءلت آمال انتعاش الاقتصاد وهاجر أفضل العلماء والمهندسين والأطباء ممن توفر لهم فرصة الهرب من هذا الجحيم.

إلى أن وصل للحكم الحزب الوطني الاشتراكي، وهو الحزب النازي، الذي أدخل البلاد في عملية اصلاح اقتصادي أدخلت الجميع إلى العمل، ولكم أن تتخيلو، هذا البلد المحطم خرج من حطامه وتسبب بحرب عالمية تطلب الأمر تحالف أغلب الدول المتقدمة فقط لتهزم هذه الدولة.

هل لكم أن تتخيلو حجم الصناعات والتطور والتقدم المذهل الذي وصلت إليه ألمانيا النازية، لم تترك مجال إلا وتقدمت به، من أنظمة الاتصالات والتشفير إلى الحوسبة إلى الصواريخ إلى الآليات وحتى اعادة الاعمار وتخطيط المدن، حتى دورة الألعاب الأولومبية آنذاك لم يحدث أن تم تنظيمها وتخطيطها من قبل كما تمت في ألمانيا النازية، اقتصاد مرعب خرج من تحت الصفر ووصل إلى حالة تشغيل شبه كامل!!!

هل نتغنى ونبدي اعجابنا بما وصلوا اليه من تقدم؟ نعم من المفيد أن نمعن النظر ونتعلم منهم لكن أن نقول مثلاً: “أنّ ألمانيا النازية تستحق الحصول على فرنسا لأنّ الفرنسيين لم يتمكنوا من الحفاظ على بلدهم ولن يتقدموا مثل ما فعلت ألمانيا من انجازات علمية وصناعية!!”. هكذا تفكير هو تفكير أخرق وغبي.

نعم لقد كانت ألمانيا النازية متقدمة، لكنها ارتكبت بحق البشرية أفظع الجرائم، تسببت بتهجير الآلاف، دمرت المدن وشوهت التاريخ، و “أحرقت” الملايين من البشر فقط لأنهم يدينون بديانة مختلفة، أعادت بلدان بكاملها إلى الوراء خمسين سنة، دمرت الأحلام وحطمت الطفولة.

أيّ حضارة هذه إن لم تحترم انسانية الانسان، هممم، هل تذكركم ألمانيا النازية بكيان يعيش بيننا اليوم، كيان يُدين بشدّة ألمانيا النازية لأنها شوهت ذاكرة شعبه بمجازر لا يمكن للعقل أن يتخيلها ولا يمكن لأيّ انسان أن ينساها.

ما معنى التقدم والحضارة إن كانت قائمة على ارتكاب المجازر والحروب بحق شعب محاصر ومجوّع، ما معنى هذه الحضارة إن كانت تعتبر قتل الطفل هو شكل من أشكال الدفاع عن النفس، ما معنى هذه الحضارة إن كانت تتفنن في تشويه التاريخ وقلب الحقائق وانكار حقّ الحياة لبشر مثل أيّ بشر آخرين، محتلة الأراضي، مدمرة المدن وماسحة القرى عن وجه الأرض، مهجّرة الملايين، هذه الحضارة، مريضة، ومعقدة نفسياً، لا تستطيع تجاوز الألم ولا تعرف كيف تبني الحياة، فحياتها مستمرة بتدمير حياة الآخرين، تماماً كالفيروسات والطفيليات.

Advertisements

10 thoughts on “حضارة الموت…

  1. جزاكم الله خيرا
    كلامك صدق
    فسبحان الله
    الذى جعل أساس الحضارة هو الصدق
    والأخلاق الكرام
    وهل يمكن أن يكون سارق ( حرامي) أو لص بانى حضارة بما سرقة من مال ؟

    وهل يمكن أن يفتخر أبا بإبنه من زواج غير شرعي ؟

    بارك الله فيكم
    ووفقكم الله لكل الخير
    مقالكم اسعدنى
    وأدعو الله لكم بالخير

  2. صادفت هذه الأيميلات كثيرا،أمقت أيميلات ال forward

    أغلب الظن أنها ايميلات مترجمة من لغة أخرى … و نحن كالعادة نتبناها دون تفكير..و نرسلها
    و إذا ما قمت بقليل من البحبشة في النت ستجد أصل الموضوع و الأيميل.
    مشكلة الانترنت ما ينشر بها لا يعلم من أي يأتي ومن يخرج بالمصطلحات
    كالمصطلح الذي أصادفه مؤخرا بالتدوينات و التعليقات : سوريو الداخل و سوريو الخارج!!
    يعني على غرار فلسطينيو الداخل و فلسطينيو الخارج؟
    بس شو جاب هالوضع لهالوضع، حتى يدرج تحت نفس المصطلح؟ مالي فاهمة.

    مودتي

  3. ياسيدي ما في شي مستحيل
    لأنو بين الحضارة والتخلف وبين الثراء والفقر وبين الممكن والمستحيل
    كلمة وحدة وهي الارادة

    لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيقُ.

  4. تدوينة خارجة من القلب…….
    دائما يواجد وجهان للشيء الواحد
    وهو يزكو على الوجه الذي يظنون انه يجب ان يظهر
    ونحنوا بالعكس لا نعرف اي وجه يجب علينا ان نظهر…….
    (هذا كان لدينا وجه.)……

    تحياتي الك………..

  5. رائعة جداً… تحليل منطقي ممتاز

    المؤسف أن غالبية صنّاع هذه البروباغندا و أمثالها هم عرب, و ليس من منطلق العمالة أو ما شابه, انما بسبب خيبة الأمل و القنوط ربما…

    للأسف لا يفكر الجميع مثلك

    تحية

    1. Ezz Abdo ::.
      ~~~~~~~~~
      شكراً جزيلاً لك.


      أمنيّة ::.
      ~~~~~
      بالضبط، نضغط على اعادة التوجيه دون أدنى تفكير بحقيقة هذه الرسالة ومدى تأثيرها، البحبشة على الانترنت مفهوم ضائع لدى الكثيرين لدينا، علماً أنّ قليلاً من البحبشة كما ذكرتي تكشف حقيقة الرسالة ومصدرها وهدفها.


      Alaa ::.
      ~~~~~~
      تماماً علاء، لكن للأسف إذا بتذكر أول درس أخدناه بالادارة بيقول الارادة هي المقدرة بالاضافة إلى الرغبة، وعلى هوا علمي كتير ناس ما عندهم الرغبة، ويلي عندو الرغبة ما عندو المقدرة.


      اللجي ::.
      ~~~~~
      تحياتي لك أيضاً.


      syriangavroche ::.
      ~~~~~~~~~~~~~~
      خيبة الأمل والقنوط جعلتنا في كثير من الأحيان نخلط بين الحق والباطل، شعور ورغبة بجلد ذاتنا لدرجة نسلم كلّ حقوقنا انطلاقاً من فكرة أننا لا نستحق شيء في هذه الحياة، وللأسف.

      تحياتي.


      LORD.M.M ::.
      ~~~~~~~~~~~
      في حرب الـ 67 قالوا يجب أن نتحدث مع الغرب بلغته كي يفهم لغتنا، وفي الـ 73 كان يجب أن نتحدث مع الغرب بلغته كي يفهم لماذا ندافع عن أراضينا المحتلة، وفي 1981 كان يجب أن نتحدث مع الغرب كي يفهم لماذا لا يجوز حصار بيروت الغربية، وفي الـ 2003 كان يجب أن نتحدث مع الغرب ليدرك أن المدنيين في العراق لا علاقة لهم بصدام، وفي 2006 كان يجب أن نتحدث مع الغرب ليدرك أن لبنان هو الضحية، وجاءت حرب 2009 على غزّة المحاصرة المجوعة لنقول يجب أن نتحدث مع الغرب ليدرك أن هؤلاء شعب محاصر ومجوّع.

      بالنسبة لي لم يعد يهمني الغرب إن فهمنا أم لا، لأنه وحتى وإن فهمنا وحتى ولو وقف معنا سيدهس تحت جرارات كيان الجحيم دون أن تحرك ساكناً حكومات الغرب، في النهاية تحرك المدنيين هناك لا قيمة له عندما يخرج الرئيس الأسود الذي يدعي أنه جاء للتغير ويقول أن الولايات المتحدة يجب أن تضمن التفوق النوعي لكيان الجحيم على العرب.

      عندما يكون من بين أهلك وناسك من يشكك بالمقاومة ويضرب بعرض الحائط حق العودة أعتقد أنه من الأجدر الحديث والتوجه بالحديث إلى أهلنا وتدعيم موقفنا، ما معنى الحديث إلى الغرب بعدالة دفاع الفلسطينيين في غزّة عن أنفسهم إذا كان نصف العرب هم من دفعوا ودعموا ضرب المقاومة!!.

      على كلّ إذا وجدت أنّ هذه المقالة من الأجدر أن تكون باللغة الانكليزية، ترجمها، ماذا تنتظر.

  6. أحياناً بجي لقول : يا سيدي أنا رضيان نبني حضارة عنا وعلى حساب المجازر والحروب مثل ألمانيا لحتى بس نشوف شو معناة كلمة حضارة ..

    علوش إذا بتراجع التاريخ يمكن تلاقي أغلب الحضارات الغربية لم تقوم سوى على الحروب والمجازر والقتل .. انظر إلى بداية أمريكا أيضاً .. حتى الثورة الفرنسية قامت على القتل ..
    أشعر بأن الحضارة الإسلامية (وقت كانت بزمانها) هي الوحيدة التي لم تقم على القتل والمجازر الجماعية .. ربما اكتفت بالقتل الفردي ..

  7. للاسف الشديد فإن تذويت القمع والدمار وتبريره أصبح أمراً عادياً لدى العديد من أبناء عروبتنا، أنظر إلى التحالفات الإقليمية والدولية، وإتقاقيات “السلام” التي وقعت مع إسرائيل والتي تخل بجميعها، إلى أي تغيير نطمح. أصبحنا نبرر المجازر الإسرائيلية ونردد كالببغاء دعايتهم المفضوحة. ما دمنا نقبل بالأنظمة المحمية بفوهات البنادق المسلطة على أعناقنا فإن أحلامنا ستضيق وتندثر. كم نحلم بالحرية التي بها نستطيع أن نبني حضارة نفخر يها ولا نتغنى بزمانها.
    شكراً على طرح الموضوع

  8. لا نفع لأي حضارة في هذا العالم .. إن لم تكن مبنيه على الأخلاق بالدرجة الاولى فلأخلاق قبل العلم وقبل القوة وقبل اي شيء أخر من مقومات الحضارة ولكن لا نجد منها في أيامنا هذه ربما كانت هذه الحضارة في عصر ما مضى … ولكن للأسف حاليا لا نجد … فمفهوم الحضارة الان وللآسف مقترن بمفهوم الأقتصاد بالدرجة الأولى والاخيرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s