الوسوم

, , , , , , , , ,

اصطدمت أحد المرات بتدوينة تتحدث عن عنصرية العرب في تداول معاناتهم الانسانية، المقال كان يتحدث عن أحداث دارفور المؤسفة في السودان، وأن العرب لا يعرفون قضية انسانية سوى فلسطين، ولم يأتوا على ذكر شيء واحد من المعاناة الانسانية لأهلنا في السودان بغض النظر عن المواقف السياسية المعلنة.

المقال كان ينطلق من فكرة أنّه كيف لانسان أن يروج قضيته أمام العالم إذا لم يتضامن مع جميع أنواع المعاناة الانسانية مهما كانت، ومهما بلغت درجتها، وكيف يمكن للعالم “الاسلامي” و “العربي” أن يترك العالم الغربي يتحدث عن قضية انسانية تكاد أن تمزق وحدة السودان الشقيق.

استسخفت المقال في ذلك الوقت واعتبرت أننا شعب منهك لا يحق لأحد أن يلومه على شيء، اعتبرت أنّ العنصرية التي يتحدث عنها المقال غير موجودة، وأننا نهتم بما حدث من معاناة ونزوح في دارفور بقدر ما نهتم بما يحدث في فلسطين أو العراق.

هذا الأسبوع اكتشتفت أنني مخطىء وأنّ هناك بالفعل عنصرية في التعامل مع معاناة الانسان؟ كيف يمكن لهذا أن يحدث!.

من يحدد قيمة المعاناة، وكيف يحق لنا أن نوصم معاناة انسان بأنها أقل من معاناة الآخر، هل هو الموت والدمار أم المعاناة النفسية، أم الاثنين معاً، أم هي المعاناة الآنية، بمعنى من يعاني الآن له الأولوية في الحديث!!.

المشكلة أننا ما زلنا متأثرين بالسياسة التي كانت تعتبر أنّ الحلّ الجذري لمشاكلنا هي بحلّ قضية فلسطين، لا غبار على ذلك، نعم حلّ قضيّة فلسطين سينهي جزء كبير من مشاكلنا، لكن من قال أن الحديث عن العراق يعني اهمال فلسطين، من قال أن الحديث عن الصومال هو الهاء عن غزّة، كيف يمكن للحديث عن معاناة أحدهم أن تكون الهاء عن معاناة الآخر، وهل للمعاناة الانسانية درجات!!.

هل يحق لنا أن نفاضل بين معاناة أمّ فلسطينية فقدت ابنها الشاب المليء بالحياة جراء صاروخ استهدف لحمه الطري، وبين معاناة أمّ سورية فقدت ابنها الشاب خلف الحدود ومرّت السنون وماتت الأم  دون أن تتمكن من لقاء يشفي القلوب رغم أنّ ما يفصلها عن ابنها هو سلك شائك.

هل يحق لنا حقاً أن نفاضل بينهما، كيف نتجرأ ونحدد أيّ معاناة انسانية أهمّ، بأيّ معايير وبأيّ أخلاق نسمح لهذه العنصرية أن تتسلل!.

في معرض الحديث عن حصار غزة لجأ المدوّن الصحفي [الأردني الفلسطيني الأصل] الأستاذ محمد عمر للحديث عن الحصار الغير المعلن من الدول الكبرى الذي ضرب سوريا في سنة 1986، الذي وصل لدرجة لم تعد تستطيع أن تجد غاز، أو علبة سمنة أو حليب أطفال!!.

هل كان ذلك تغطية على حصار غزّة، أم أنه استطاع ان يربط بين المعانتين ولو اختلفت الأوضاع والأزمنة والظروف؟ الفكرة ببساطة أنك بالحديث عن معاناة أي انسان تتمكن من فهم معاناة الآخرين، وبالعكس عندما تتحدث عن معاناة شعب وترفض الحديث عن معاناة شعب آخر بسبب قوانين الأولوية التي لا أدري ماهي معاييرها!!، تكون وقعت في ازدواجية ستجعل من الصعب أن يتضامن معك أحد في المستقبل.

أنا نفسي وقعت في هذا الفخ، أذكر في الثانوي صنعت ملصق عن فلسطين ووضعته بكل حماس في صدر الصف، وكان ذلك بعد اجتياح العراق، وكانت عبارة الملصق، “فلسطين في قلوبنا”، فجاء صديقي وأضاف أسفل فلسطين، عبارة: “والعراق”، استنكرت ذلك في وقتها، كنت أعتبر أنّ احتلال العراق سيضعف التغطية على أهمية احتلال فلسطين!!، مضت السنين وما زالت آثار عنصريتي متراكمة، خصوصاً عندما أقرأ عن الفظائع التي ارتكبها الاحتلال في الفلوجة ولا أشعر بالتعاطف بقدر ما أشعره عندما أقرأ عن معاناة الفلسطينين في غزّة.

في أسبوع التدوين عن الجولان قرأت مقالات رائعة تتحدث عن الجولان وضرورة الحديث عن انسانيته قبل كل شيء، بالمقابل كان هناك مقالات تدرج ألف سطر عن كيف نسينا الجولان، وكيف خسرنا الجولان، وكيف أننا لا نشعر بالجولان، وكيف، وكيف، إلى أن ينتهي المقال دون ذكر شيء واحد عن الجولان، جلد ذات بجلد ذات، كفى يا جماعة، كفى جلداً للذات.

لكن ما أحبطني حقاً هو تدوينة تلعن الليل وساعته، وتلعن كل من يحاول اشعال فتيل شمعة على الأقل، واصفاً اياهم بالاغبياء والحمقى [حرفياً]!!، قد أتفهم نفسية المؤلف، وأتفهم غضبه وحزنه وعجزه، لكن لا يجوز بأي شكل من الأشكال المفاضلة بآلام الآخرين، لا يجوز أن نلوم الآخرين وكأننا منفصلين عنهم!.

لا أحد يكتب عن القضية التي تريد أن تقرأ عنها؟ اذن اكتب يا أخي ماذا تنتظر، عرّف الناس على هذه القضية وتضامن مع أشخاص آخرين يحملون همّ قضية مختلفة لكن لها ذات الهدف أو تضامن مع أشخاص يدافعون عن نفس القضيّة.

في السابق كنا نلعن ونلوم لماذا لا نتحدث عن أهلنا في الجولان، والآن عندما سنحت لنا الفرصة لأول مرة منذ أربعين سنة، نشاهد أسلوب جديد في جلد الذات، أسلوب عنصري يعتبر أنّه لا يجوز الحديث عن أهلنا في الجولان في ظل الحصار الجائر على أهلنا في غزّة، وكأن هذه القضية تغطي على تلك، ناسياً أنّ قضايا الدفاع عن الحريات متكاملة مهما بلغت درجة المعاناة.

طبعاً ذلك المقال انتهى دون أدنى ذكر لا للجولان ولا لغزّة ولا لغيرهما!!.

Advertisements