الوسوم

, , , , , , , , , , , , , , , , ,

قبل أن أبدأ أودّ منكم قراءة الفاتحة على أرواح شهدائنا الأبرار في ذكرى حرب تشرين، شهداء سوريا ومصر، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، اندفعوا بكلّ قوة، مؤمنين بالنصر، مؤمنين بالحرية، أولئك هم الرجال بكل حقّ، أين نحن من ذلك الزمن الذي ليس ببعيد، يوما اجتمعت ارادة العرب من المحيط للخليج، في ذلك الوقت لم يكن هذا يعجبنا، اليوم نتمنى فقط عودة المثلث العربي [سوريا-مصر-السعودية]، لم أتوقع أن نصل إلى ما نحن عليه من التشرذم، تشرذم فوق تشرذم، ولا حول ولا قوة الا بالله.

ما علينا،

في التدوينة السابقة لم أتطرق بشكل كافي إلى ماهية القروض الرديئة، الآن كلّ ما عليك فهمه أنّ هناك عائلة ذات دخل محدود اقترضت لشراء منزل بسعر فائدة متغير، وعندما بدأت أسعار العقارات ترتفع رهنت منزلها للحصول على المزيد من القروض، ولكن ما إن انخفضت أسعار العقارات؟ بوووم، انفجرت الفقاعة.

الآن، كان هناك فقاعة، وانفجرت الفقاعة، لم يتمكن المقترض من سداد أقساطه، تشكلت ديون معدومة للبنك، انخفضت أسهمه، أفلس البنك وانهار، إذا لماذا تستمر سلسة الانهيارات؟.

سعود ال�داد

سلسلة الانهيارات المالية تتوالى تماماً كأحجار الدومينوز، المصدر: سعود الحداد

السبب هو التشابك المالي في الأسواق المالية، التي أصبحت مفتوحة لكل المستثمرين، فقد يكون أحد المستثمرين في البنك المُنهار مؤسسة في اليابان، وعند انخفاض سعر السهم، تخسر هذه المؤسسة نقودها، وبذلك يتأثر من يعمل في هذه المؤسسة في اليابان من أزمة مالية في أمريكا.

ومن أشكال التشابك انتشار فروع البنوك حول العالم، فالقاعدة هي التزام الفروع بدعم الأم، قد يكون البعض محظوظ كما حدث مع بنك HSBC فبالرغم من خسائره الكارثية في أوروبا، إلا أنه عوّضَ هذه الخسائر بالفورة الاقتصادية في الخليج وآسيا، لكن ليست كلّ البنوك محظوظة مثله.

قد تصل الخسائر لدرجة لا يمكن للفروع تحملها، وهنا يحدث انهيار كامل على مستوى الفروع والشركة الأم، فيغلق الفرع أبوابه، نتيجة انهيار الشركة الأم، وتتأثر جميع الشركات والأفراد المرتبطين بذلك الفرع، نتيجة أزمة لا علاقة لهم بها لا من قريب ولا من بعيد.

أمّا أهم أسباب سلسلة الانهيارات المالية، هي عمليات التوريق لضمانات القروض، فالبنك عندما يقوم بالإقراض يستحوذ على عقار أو سلعة أو ورقة مالية كضمان، يقوم البنك بعدئذ بتحويل ضمانات القروض هذه إلى أوراق مالية جديدة [سندات]، ويقوم ببيعها، ومن يشتري هذه الأوراق [يشتريها بداعي الاستثمار] يقوم بتحويل جزء منها كضمان مقابل قرض من بنك آخر، أو يستعمل هذه السندات كوسيلة لسداد ديونه، أي ديون تسدّ ديون، وديون تخلق ديون، وهكذا تستمر العملية حتى يتم موعد الاستحقاق فيعود الضمان لصاحبه وتتسلسل عمليات الاستحقاق لتغلق عملية التوريق.

بالاضافة إلى ذلك، كل سند من السندات التي تحدثنا عنها لها تقييم مالي، ومن يمتلك تقييم سيء، يلجأ إلى دفع رسوم لدى شركات التأمين التي تتعهد بدفع قيمة السند في حال تخلف البنك عن سداد قيمته أو زوال الأصل الضامن لهذا السند.

لكن ماذا لو؟
ماذا لو حدث هذا مع بنكنا المنهار؟ الذي فقد ضماناته، وأصبحت ديونه معدومة؟ ماذا يعني ذلك، ببساطة تتضاعف الديون المعدومة لدى كل مؤسسة مالية تعاملت مع هذه الأوراق، حيث أصبحت الأوراق المالية السابقة [السندات الصادرة عن الضمان] بدون قيمة، الآن اضرب الرقم بمئات الألوف، وهو رقم ضئيل مقابل العقارات [وهي الضمانات] التي انهارت وبيعت بالمزاد العلني، ستصل إلى رقم فلكي، إلى خسائر مرعبة، إلى انهيار مالي كأحجار الدومينوز.

فكل مؤسسة تعاملت مع هذه الأوراق المالية المشؤومة ستطالب بحقوقها، لكنّ أيّ حقوق هذه من ضمان أصبح خواء؟.

الآن انهار البنك الأصلي المُصدر لهذه السندات، وضاع الأصل الضامن لهذا السند [سيارة، عقار، أوراق مالية]، يأتي دور شركات التأمين التي تعهدت بالدفع تعويضاً عن خسارتك هذه، جميل جداً، لكن ماذا لو حدث هذا على مستوى آلاف السندات؟ ستقف شركات التأمين عاجزة عن السداد وتعلن افلاسها هي الأخرى.

ويضاف لأسباب الانهيارات المالية ارتباط العديد من المعاملات المالية بأسواق العقود الآجلة، أي العقود المستقبلية، والعقود المستقبلية قائمة على التوقّع، كأن تقوم ببيع سلعة [غير موجودة الآن] تتوقع انخفاض سعرها، لكن ستكون بعد أسبوع موجودة، العقود المستقبلية مجال معقد ومن الصعب فهمها إن لم تمارسها حقيقة، [أنا نفسي لا أستطيع شرحها] و لي عودة حول هذا الموضوع بتدوينة مستقلة بإذن الله.

المهم، تتفاعل العقود المستقبلية و الأزمة المالية مع توقعات المستثمرين للمستقبل وثقتهم به، وكلما انخفضت توقعاتهم وثقتهم بالمستقبل،  تراجعت المعاملات والعقود بسرعة وفقدت قيمتها وتحققت الخسائر بكل من يرتبط بهذه العقود، وعادة يكون التفاؤل والتشاؤم من أداء السوق، وطالما هناك أزمة مالية يعمّ التشاؤم وتتراجع العقود المستقبلية، وأهم مثال على ذلك، عقود النفط الآجلة وما يصيبها الآن من تراجع، فينخفض الطلب عن العرض فيهبط سعر البرميل.

ما هي النتائج؟
النتائج وخيمة، وسنعيش [نحن العرب سنعيشها عن بعد] آثار هذه الأزمة لعشرات السنين، أهمّ شيء، ستتغير قوانين إدارة المخاطر في البنوك للأبد، لن يكون هناك اقتصاد حرّ بعد الآن، ستكون هناك صعوبة في الاقتراض، وستكون هناك شروط قد لا تتمكن الشركات الصغيرة من تحقيقها، سيتباطىء نمو الاقتصادي العالمي وقد نلاحظ بطء في ظهور تقنيات جديدة نتيجة تعثر عمليات الإقراض والتمويل للبحث العلمي.

يتراجع الاستهلاك كما ذكرت مسبقاً لصعوبة الحصول على قروض بطاقات الائتمان، أو لارتفاع تكاليفها [الأمريكيين جميعاً يتعاملون ببطاقات الائتمان، وهي بطاقات دين، يعني الشعب الأمريكي كلّه محكوم بالدين للحكومة الأمريكية].

وتخفيفاً للأزمة قامت المصارف المركزية بضخّ المليارات، التي وصلت للتريليونات، لتسهيل عمليات الإقراض ومنع توقف النشاط المصرفي ونشاط السوق.

الاقتصاد الأمريكي قوي ومرن جداً، و قدرته عالية على التعافي، فهو اقتصاد متعدد الموارد وليس اقتصاد تجاري فقط، والقائمين عليه قادرين على التعلم من أخطائهم، قادرين على محاسبة أنفسهم، وقادرين على مواجهة المسؤول عن الخطأ والعمل على تصحيحه، لكن مع ذلك، المليارات التي تبخرت ليست مزحة، والخسائر قاسية جداً، وكما يقال غلطة الشاطر بألف وأنا أقول هنا قد تكون غلطة العمر، وآثارها واضحة على الأمريكيين، خصوصاً من فقدوا منازلهم وأصبحوا يعيشون في عربات مغلقة و مع ذلك تلاحقهم فواتير بطاقات الائتمان ومطالبات الاستحقاق من البنوك على شكل ديون طويل الأمد، أي ربما يموت وهو يعمل ومازال يسدد ديونه.

في المقابل وكأي أزمة مالية، هناك من ينتفع، انهيار البنوك الأمريكية سهّل دخول المستثمرين الأجانب ومنهم الصين، ما يحدث في أمريكا اليوم تماماً ما حدث في كوريا الجنوبية في الأزمة الآسيوية 1997، حيث انهارت أغلب الشركات الكورية وتعرضت للإفلاس، فدخل الأمريكيين مشترين لأغلب شركاتهم، اليوم لا تجد شركة كورية إلا و10% إلى 30% من أسهمها ملك الأمريكيين.

الانهيارات المالية تفسح المجال للأقوى لاحتكار السوق، فالرابح هو من يصمد رغم جراحه المثخنة، والمكافأة السوق بكامله ملك لك!!، كما حدث مع فقاعة الانترنت، من مئات الشركات لم يبقى إلا ياهو، وغوغل، وأمازون وغيرهم القليل؛ فانهيار أربع أضخم بنوك استثمارية أمريكية واندماج بعضها مع بنك أمريكا Bank of America جعله أضخم مؤسسة مالية على وجه الأرض، وستسمعون باسم هذه المؤسسة المالية كثيراً في المستقبل، هذا إذا لم ينهار وبقي صامد.

لاحظوا أنّ الخطة المالية للإنقاذ تتطلب 700 مليار دولار يتم تمويلها على شكل ضرائب من عامة الشعب الأمريكي، الحجة إما الخطة المالية وإما أن تفقدوا أعمالكم، والجميع يعلم إن لم تطبق خطة الإنقاذ، الهدف التالي في الانهيار هي القطاعات الخدمية والصناعية.

فبدون السيولة لن تتمكن البنوك من منح القروض، ولن يتمكن المستهلك من الشراء، فيغلق المصنع أو الشركة المقدمة للخدمة، مسرّحةً آلاف الموظفين والعمال، اليوم لا وجود لرأسمالية ولا اشتراكية، اليوم يوجد غني وفقير، الوضع شبهه كالمنشار، في التضخم يربح الأغنياء، وفي الكساد الفقير يدفع الثمن، الاقتصاد المنشاري أفضل وصف لما يحدث.

أخيراً،
سؤال بريء؟ العالم يتحرك لإنقاذ “الاقتصاد العالمي”؟ سؤالي، لو تم صرف 100 مليار فقط في مكافحة المجاعات وبناء المدارس في إفريقيا، وإدخال هذه الأمّة في عجلة الإنتاج الاقتصادي، وتحقيق تنمية لا بأس فيها، ألن يكون لذلك فوائد هائلة على “الاقتصاد العالمي”.

أليس دخول الصين عجلة الاقتصاد العالمي قبل أربعين سنة له أكبر الأثر على واقعنا؟!، هل كنّا لنحلم بامتلاك أجهزة الحاسوب الرخيصة الجيدة لولا العمالة الصينية الرخيصة؟.

سؤال بريء آخر؟ اليوم هناك دول “عربية” فاحشة الثراء تفتخر أنّها حققت تنمية شاملة وبنية تحتية عالمية؟ سؤالي؟ ماذا حضّرت هذه الدول لمواجهة هكذا أزمة في المستقبل، وهل اقتصادها “التجاري” قادر على التعافي في حال تبخرت المليارات؟.

لماذا لا تبدأ هذه الدول بصناعات ثقيلة متطورة وهي قادرة على ذلك، صناعات عسكرية وصناعات تقنية قادرة على خلق الطلب لا فقط مواجهته، صناعات تشكل مورد إضافي لمواردها الطبيعية، فتكون مُصدّرة بدل أن تكون مستوردة.

طالما لديها من الأموال ما يكفي لشراء الجبال الجليدية وتحويلها لمياه عذبة؟! لماذا لا تضمن مستقبلها ومستقبل أبناءها، ومستقبل العرب جميعاً؟.

هذه الدول هي أملنا الحقيقي في النهوض، فيها تتوفر جميع العوامل لبناء دولة عربية تكون قدوة لأشقائها، الأموال موجودة، واليد العاملة والخبرة موجودة، والموارد الطبيعية موجودة، أم إنّ مصير الدول العربية جميعاً فاحشة الثراء أم لا، هي تبديد ثرواتها وتبخيرها.

قد أكون لم أوفي الموضوع حقّه، وقد يكون هناك أخطاء بسيطة في شرحي، لكن أنا متأكد أنني تناولت العمود الفقري للقصة، الجزء المحوري منها، وهذا ما يهمّ، على كلٍّ لأي ملاحظات، أدرج تعليقك، وإن لم تتمكن راسلني، سأكون سعيد بقراءة رسالتك.

روابط ومراجع:
ثورة الويب 2، شرح مبسط جداً لأزمة الاقتصاد الأمريكي، ويكي انكليزي فقاعة الانترنت، ويكي عربي الكساد.
بشر الموصللي، البورصة، دار شعاع.

Advertisements