الوسوم

, , , , , , , , , , , , , , ,

في دراستنا كنّا نستذكر أزمة الكساد الكبير سنة 1930 [تواجه صعوبة في الولولج إلى موقع ويكي العربي؟!، اضغط هنا] وكأنّها لن تحضر أبداً، وأنّ العالم تعلم درساً قاسياً في تلك الفترة ولن يسمح بتكرارها.

درسنا بعد ذلك أزمات الأسواق المالية الكبرى، من آسيا إلى أوروبا وحتى أزمة السوق المالي السعودي الأخيرة، وكيف تتبخر مليارات الدولارات في الهواء لا لشيء سوى لحالات بيع هستيرية.

لكن أزمة الرهن العقاري؟ هي ثغرة حقيقيّة لم يكن أحد يتوقعها خصوصاً من أكبر وأضخم اقتصاد على وجه الأرض الذي تعلم الدرس في القرن الماضي وذاق ألم الكساد الكبير، الخسائر وصلت لأرقام فلكية لا يستطيع العقل تحملها، ومع ذلك الاقتصاد الأمريكي منتصب القامة ولم يسقط [بعد]، شيء يدعو للتأمل أكثر  والتعمق بشكل أكبر في اقتصاد أمريكا المرعب.

Daquella manera

آلاف الأمريكيين خسروا منازلهم، المصدر: Daquella manera

يسألني أصدقائي عن الأزمة الحالية وكأنها جديدة، يريدون أجوبة، يريدون جواب شافي دقيق كامل يصف الحالة بالكامل، وهذا بالضبط لا يستطيع أيّ اقتصادي فعله، فالأزمات المالية في الوقت الحالي تتداخل مع عوامل ومتغيرات بالملايين تتعلق من نفسية الإنسان إلى وضع السوق.

الأزمة المالية الحالية بدأت السنة الماضية واليوم نشاهد بعض من آثارها، الآثار الموجعة لم تظهر بعد، انهيار المؤسسات المالية هي بداية لحالة تصحيح شديدة ومؤلمة للسوق، يتبعها بشكل حتمي حال لم تتدخل الدولة انهيار في جميع القطاعات الصناعية والتجارية وتوقف النمو الاقتصادي وتحقق الركود، نعم لقد ذكرت أنّ ما يحدث هو تصحيح قاسِِ للسوق، كيف؟ استمر في القراءة.

الفقاعة؟ هل تدركون ما هي الفقاعة، ما أجملها وهي تكبر وتكبر، تستمر في نفخها وأنت تعلم أنها ستنفجر، لكن مع ذلك تستمر في نفخها، ثم في لحظة واحدة تنفجر، وتتلاشى وكأن شيء لم يكن، كان هناك فقاعات عديدة، أهمها فقاعة الدوت.كوم في سنة 2001 حيث انهارت جميع شركات الانترنت ولم يبقى إلّا بضع شركات تُعدّ على الأصابع، وفقاعة الانترنت هي المحرك الأساسي  لنشوء ما يدعى اليوم بشركات الويب2.

الفقاعة الحالية هي فقاعة العقارات، العقارات الأمريكية التي وصلت أسعارها للسماء واستمرت في الصعود، الجميع يريد الاستثمار في هذه السوق، لكن مهلاً أي استثمار يتطلب الشراء بسعر والبيع بسعر أعلى منه، ومهما كنت ذكي ستصل إلى مرحلة لن تجد من يشتري منك بسعرك العالي، وهنا تضطر إلى البيع بسعر أدنى مما اشتريت وهنا بالضبط تبدأ موجة انخفاض الأسعار.

هذا أحد عوامل انخفاض الأسعار التي تعتمد على الطلب والعرض، هناك عوامل أخرى، كالوضع السياسي وسوق العمل وغيرها، المهم أنّ أسعار العقارات بدأت في الانخفاض.

لكن قبل أن تنخفض أسعار هذه العقارات، كانت قد مُوّلت بقروض رديئة دون ضمانات كافية تدعى بالقروض العقارية  الرديئة مقابل فائدة عالية غير ثابتة لتغطي على المخاطر، عندما تتقدم بطلب قرض عقاري رديء يمنحه لك البنك مقابل ملكية المنزل الذي ستبنيه، مع سعر فائدة عالي متغير.

بالطبع هنا أسعار العقارات في ارتفاع مستمر، فهي صفقة رابحة، ابني بمليون وبيع بمليون ونصف، لكن ماذا لو أردت البيع وكان سعر المنزل نصف مليون؟.

عند هبوط أسعار العقارات، يرفع البنك سعر الفائدة لمواجهة الأخطار المحتملة وبذلك يرتفع قيمة القسط الذي عليك أن تسدده، ومع انخفاض سعر منزلك لن تكون قادر على السداد لمدة طويلة، فتعلن إفلاسك، فيقوم البنك بطردك من المنزل ويعرضه للبيع عبر المزاد العلني، المشكلة أنّ حالات الإفلاس وصلت لمئات الآلاف ومع عرض مئات الآلاف من المنازل للبيع، سينخفض سعرها زيادة عمّا انخفضت عليه، وبذلك ينشأ للبنك ديون معدومة، أي لم يستطع البنك تحصيل الديون المستحقة.

البنك لا يمكن أن يستمر إذا لم يكن هناك من مودعين، وعندما يعلن البنك عن ديون معدومة بالملايين أول شيء في الصباح الباكر تقوم به كزبون، هو الذهاب للبنك وسحب رصيدك منه، فنفسية الإنسان بالفطرة تفعل ذلك ولو كانت حسابات الإيداع مؤمن عليها مئات المرات.

لكن عندما تكثر حالات السحب يتعرض البنك لسحب مفاجئ غير متوقع، ولا تكفي السيولة التي لديه لتغطية السحب المفاجئ، قد يقترض من البنوك الأخرى مثل البنك المركزي، وهنا تقرأ في الجريدة المالية، أن البنك الذي تستثمر في أسهمه قد اقترض من البنك المركزي، فتشعر أنت كمستثمر بالخوف، وتبدأ حالات بيع جنونية في سوق الأسهم للتخلص من أسهم البنك، وأسهم البنك تمثل رأس ماله، وبذلك ينخفض سعر السهم، وينخفض معه رأس ماله.

فيطالبه البنك المركزي برفع رأس ماله وذلك بأن يشتري أحدّ ما أسهمه التي تم بيعها، أو إصدار أسهم جديدة، أو يعلن إفلاسه، فيقوم رئيس مجلس الإدارة بجولات مكوكية إمّا للحصول على قروض وتسهيلات أو يندمج مع بنك آخر، وإذا لم يتحقق ذلك، يتم إعلان إفلاس البنك ويطلب الحماية، فيتحرك البنك المركزي لشراء أسهم البنك وقد يصل الشراء إلى 80% من أسهمه وبالتالي يصبح البنك مؤسسة عامة!!.

أمّا إذا لم يتحرك البنك المركزي للحماية فعلى البنك السلام، يتم البدء بعمليات التصفية وتسديد مستحقات الدائنين بالترتيب، وقد تنتهي أصول البنك ولا تكفي لتغطية مستحقات الدائنين، خصوصاً الدائنين العاديين [حملة الأسهم العادية]، وبالتالي، تكون خسارة محققة.

وعند انهيار البنوك يصبح من العسير الحصول على قرض، وتصبح تكاليف الاقتراض ببطاقات الائتمان مرتفعة، تنخفض السيولة لدى الأفراد وينمكش الاستهلاك فتتكدس البضائع ويكون الكساد، إلا إذا تدخل المصرف المركزي [وهذا ما يحصل] ضاخاً الترليونات من الدولارات في الأسواق المالية ولصالح البنوك لتسهيل عملية الاقراض والابقاء على وجود نشاط استهلاكي، خشية حصول هكذا كساد.

حسناً، فهمنا كل ما سبق، لكن لماذا تستمر الانهيارات المالية، لماذا لا تتوقف عند حدّ هذا البنك، لماذا؟!!، هذا ما سأذكره في التدوينة التالية بإذن الله.

Advertisements