الوسوم

, , , , ,

أفترض مسبقاً أنكم فهمتم معنى التضخم وان كان بشكل سطحي، على كل هو بالمختصر ارتفاع الأسعار مع انخفاض القوّة الشرائية للعملة، لكن لماذا يعشق المستثمرين التضخم؟، ومتى يكون للتضخم دور في اعادة توزيع الثروة لصالح تلك الطبقة،؟ وكيف ذلك؟.

المعادلة بسيطة، تضخم مرتفع + فائدة منخفضة = جنة المستثمرين، جحيم المستهلكين.

المستثمر هو من يقوم بتشغيل أمواله لتعود إليه أضعافاً مضاعفة من الأرباح وذلك بناء على مدى قدرته على تحمل المخاطرة المرافقة للاستثمار، وللفائدة سعرين، سعر مدفوع للزبائن على ودائعهم، وسعر مقبوض من المستثمرين على اقتراضهم.

لا يوجد مستثمر يقوم بوضع رأسماله بالكامل في المشروع، بل يقوم بوضع جزء من رأسماله على شكل سيولة والباقي وهو الأكبر يقترضه من البنوك، وذلك لعلمه المسبق أن علاقاته التجارية والمالية ستمكنه من تشغيل رأسماله والحصول على أرباحه.

أغلب الدول النامية تضع فائدة منخفضة على الاقتراض تشجيعاً منها على الاستثمار!!، جميل جداً، لكن المصيبة أن نسبة التضخم بدأت تفوق نسبة الفائدة، بما معناه أن النقود بدأت تفقد قيمتها بشكل أسرع من القيمة المطلوبة لدفع الفائدة، ما فهمتوها؟!.

خودو نفس طويل وركزو معي منيح، وقفو الموسيقى شوي، افتحو الشباك، خلو شوية هوا يدخل، ظبطو القعدة منيح، رجعوا خدو نفس وإليك التالي:

لنفترض أنني اقترضت 100 مليون ليرة، بفائدة 10%، أي عليّ اعادة هذا القرض في السنة المقبلة 110 مليون ليرة. لكن نسبة التضخم ارتفعت إلى 20% فرضاً، أي أن قيمة القرض سيفقد خمس قيمته وما قيمته 100 ليرة في السنة الماضية اليوم قيمته الفعلية  120 ليرة، بكلام آخر، القوة الشرائية للـ 100 ليرة في السنة الماضية أصبحت اليوم 120 ليرة.

وتقريباً للواقع، هل تذكرون القوة الشرائية للعشر ليرات في سنوات التسعينات، خصوصاً 1990-1995، اليوم نحتاج تقريباً إلى 25 ليرة لنحصل على ما كنا نحصل عليه بالعشر ليرات، هل فهمتهم ما أقصده بالقوة الشرائية.

نعود للمثال، اذاً انتهت السنة المالية وقرر المستثمر تسديد ما عليه وهو 110 مليون ليرة، بسبب التضخم، نحن نعرف أن تكلفة القرض هي 10 مليون، وهي سعر الفائدة، لكن بسبب التضخم قيمة الـ 10 مليون اليوم هي بقيمة 8 مليون تقريباً في السابق، أي أنّ الفائدة أصبحت سلبية، وقد انخفضت تكلفة القرض بسبب التضخم 2 مليون ليرة.

طبعاً صديقنا لم يكن يلعب خلال السنة المالية، صديقنا كان يستثمر أمواله، ولنفرض أنه وضع كامل الـ 100 مليون في الاستثمار وقام بتصنيع سلع غذائية ثم بدأ بتصريفها، اللعبة تكون في عملية التسعير، بسبب التضخم يقوم المستثمر برفع السعر تعويضاً له عمّا خسره، فهو لا يتحمل عبء التضخم ومن ياكل الصواب هو المستهلك المسكين، بمعنى آخر، لم يتعرض المستثمر لأي ضغط بسبب التضخم، وعادة يتم رفع سعر السلعة بأكبر من نسبة التضخم، ويحقق المستثمر أرباح مضاعفة، خصوصاً إذا كانت السلعة المطلوبة لا يمكن التخلي عنها، وبالتالي لنفرض أنه حقق أرباح قدرها 30%، أي عادت له أمواله 130 مليون ليرة.

دفع منها 110 مليون ليرة، بقي له 20 مليون ليرة، لكن في الحقيقة ان قيمة الـ 20 مليون ليرة اليوم هي 16 مليون ليرة في السابق، أي أن التضخم حقق له ربح قدره 4 مليون ليرة تقريباً.

مع اضافة الـ 2 مليون الناتجة عن انخفاض قيمة القرض، يكون المستثمر حقق 6 مليون ليرة أرباح، وبذلك ربحه الحقيقي لولا التضخم لكان 14 مليون ليرة.

لم تنتهي القصة بعد، نعود لمستهلكنا المسكين ولنفترض أنه من ذوي الدخل المحدود، العملية تطبق عليه بالعكس، التضخم يسبب له افقار وذلك كالآتي، لنفرض أن صديقنا المستهلك المسكين يمتلك مدخرات يضعها في البنك يستعين بها لتسديد متطلبات الحياة، ولنفترض أنه يتعامل بالفائدة في الحالة الأولى ولا يتعامل بالفائدة في الحالة الثانية.

كما ذكرت إنّ التضخم حال تجاوزه لسعر الفائدة، تصبح الفائدة سلبيه، بمعنى أن العوائد المتوقعة من ايداع أموالك بالفائدة لن تكون كما هي بالاسم، انما ستنخفض قيمتها، ومع ارتفاع قيمة التضخم، تصبح الفائدة بلا جدوى، وغير قادرة على تعويضك عن قيمة تآكل رأس مالك.

ففي حال كان معدل التضخم قريب من معدل الفائدة فرضاً كان سعر الفائدة 8% والتضخم 7% هنا من المفيد جداً اللجوء لسعر الفائدة، فسعر الفائدة لن يكون عائد بالنسبة لك لأن العائد بالكاد يكون 1%، انما قوة أموالك الشرائية لن تتغير كثيراً كون معدل الفائدة يعوض النقص الحاصل من التضخم.

ما فهمتو؟!

شيلو الفائدة على جنب، انسوها يا أخي، نحن شعب ما منحب “الفائدة”، ما قصدته من كلامي أن مدخراتك مهما كانت في حال وجود معدل تضخم مرتفع، ستصبح قيمتها أدنى كل سنة، وعليك مضاعفة أموالك بنفس نسبة معدل التضخم حتى تبقى أموالك بنفس القوة الشرائية، هذه المضاعفة عادة تكون من سعر الفائدة، لكن في حال تجاوز معدل التضخم لسعر الفائدة، هنا تصبح الفائدة سلبية ولا جدوى منها كون تناقص القوة الشرائية أسرع من تراكم عوائد الفائدة.

بقي أن أقول لكم أن معدلات التضخم في البلدان النامية تصل إلى 29% أحياناً مع معدل فائدة لا يتجاوز 9% في أحسن الحالات، وهذه المعادلة هي اعادة توزيع حقيقية للدخل من المدخرين للمستثمرين.

والنتائج وخيمة، يسحب الجميع [تجار وغير تجار] أموالهم ويجمدونها بالعقارات، ذهب، أو أي شيء آخر عدا وضعها في البنك، انخفاض قيمة العملة داخلياً وخارجياً، زيادة الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي وأعتقد أنني تحدثت عن عواقب ذلك، هروب رؤوس الأموال الوطنية، نشوء أسواق غير نظامية لجمع الأموال والمدخرات بفوائد مغرية وتحويلها للمضاربة، وأخيراً تحول سعر الفائدة كأداة لتشجيع الاستثمار، بدلاً من تشجيع الادخار.


* جميع ما ذكر هو تحليل مالي افتراضي قائم على افتراض أن الناس تلجأ للبنوك لحفظ أموالها وأن المستثمر يلجأ للبنك للاقتراض.
* استناداً إلى محاضرات الدكتور عبد الحميد طالب، مسودة كتاب السياسات المالية والنقدية.

Advertisements