الوسوم

, , , , , , ,

ألهذه الدرجة تشعرون بالملل من الاقتصاد، لم أتوقع هذا التفاعل البطيء مع مقالاتي الاقتصادية، ههه، اعتقد أنني فاشل في الشرح، أليس كذلك، هيا، أظهروا لي بعض الدعم يا شباب.

حسناً ما رأيكم بأسلوب جديد، سأخلط بين مقالاتي الاقتصادي مع وقائع من حياتي اليومية، سيكون المقال تخبيص نظامي، ومع صيامكم [صياماً مقبولاً وافطاراً شهياً، رمضان مبارك للجميع]، أعتقد أنكم ستخرجون من هذه المقالة بدون حمّص، [آه على صحن حمّص مع زيت الزيتون الذهبي].

علوش عشقان يا جماعة، إذا كان هناك أحد كتوم في المواضيع العاطفية فهو أنا، فحتى الآن أنا لا أؤيد التعميم العاطفي، أشعر بالغثيان عند قراءتي لقصيدة عاطفية يصف الحبيب محبوبته، ما علينا.

تريدون التعرف على السياسات النقدية لكن دون الخوض في معمعة الاقتصاد؟!، أعتقد أنّ الأمر صعب قليلاً، الغريب في مجتمعنا أن الجميع يبدي فهمه للاقتصاد والجميع يعتبر أنّ وظائف الاقتصاد سخيفة لا قيمة لها، لا بل البعض يضحك عندما تحدثه عن ما إذا قام بدراسة جدوى للمحل التجاري الذي افتتحه، ويتشقلب على ظهره عندما تسأله إذا ما استخدم ميزان السيولة.

الآن لدينا الوضع التالي، كساد وتضخم، بطالة وأسعار مرتفعة وقد تحدثت فيما سبق أن هناك أسباب شديدة التعقيد يصعب جداً هذا إذا لم يكن تحدي القرن الحادي والعشرين هو حلّ مشكلة الكساد التضخمي التي تنتشر في الدول المتقدمة قبل النامية، وكلّ منها له أسبابه المختلفة.

حاولنا قدر الامكان حصر المشكلات المسببة للتضخم بمواضيع رئيسية، أهمها زيادة كمية الأموال المتداولة في السوق، وارتفاع نسبة دين الدولة على نفسها. وبسبب تضاوءل القدرة الانتاجية للدولة وضعف امكانات تسويق منتجاتها ينخفض ميزانها التجاري ويصاب بالعجز ليضيف فوق الزيت مزيداً من النار [أو ربما العكس، من يدري].

تذكروا أنني أتحدث مع تثبيت العديد والعديد والعديد من المتغيرات وافتراض ثباتها عندما اتكلم عن التضخم، فنحن حتى الآن لم نتطرق لأسعار الفائدة وتأثيرها على آلية الاقتصاد.

حسناً، لدينا تضخم الآن، بغض النظر عن الكساد، كيف يمكنني التخلص منه؟.

الحل البديهي هو بامتصاص الأمول من أيدي هؤلاء المجانين، [عفواً، أقصد المستهلكين] الذين يتسببون بأزمات اقتصادية دون وجود سبب حقيقي، فارتفاع الأسعار في رمضان ليس إلا لتعرض الاقتصاد لصدمة طلب هائلة، والجميع يشتري ويشتري من أجل شهر كامل وكأن البلد ستصاب بحصار، علماً أنك لست بحاجة لتضبع مونة شهر، يعني تعامل مع رمضان كأي شهر، لا تحوله إلى شهر استهلاكي بدون سبب، يا جماعة لن نتعرض لاعصار ولن تقفل الطرقات ولن تقفل المحال.

اذن كيف تمتص هذه الأموال، هناك طرق عديدة في الاقتصاد، أغلبها يكون فعال في الدول المتقدمة، حيث السوق المالية والجميع يمتلك حساب مصرفي ويتعامل مع الفائدة ويتصرف بناء على تغيراتها، كما أن البنوك منتشرة كما تنتشر الصيدليات في بلادنا.

لنتخيل أننا في دولة متقدمة، ولنغضّ الطرف عن الفائدة، ركزوا معي على آلية امتصاص الأموال.

في حال ظهور مؤشرات تضخم، سيتحرك البنك المركزي [أبو البنوك وبنك البنوك] مباشرة لامتصاص الكتلة النقدية بدخول السوق المالية ضمن نظام عمليات السوق المفتوحة، حيث يبيع الأوراق المالية بسعر خصم مغري للبنوك التجارية، فتقوم البنوك بشراء هذه الأوراق المالية وبذلك تنتقل الأموال من البنك التجاري للبنك المركزي، ويتعذر على البنوك التجارية منح القروض وخلق الائتمان بسبب انخفاض سيولتها وضرورة محافظتها على قوانين خاصة في سياسة الاقرض، فترتفع أسعار القروض ويصبح من الصعب على المستهلك الحصول على القرض أو فعلياً الحصول على الائتمان، حيث تزيد تكلفة استخدامه للائتمان [الائتمان يعني يقوم البنك باقراضك أموال ثم تسددها لاحقاً على دفعات مع فائدة ويتم ذلك عبر البطاقات البلاستيكية] وينخفض الانفاق القومي وينخفض الطلب ويزيد العرض على الطلب فتنخفض الأسعار.

هناك طرق أخرى أكثر مباشرة وهي تنفع في الدول النامية على قدر محدود، وتدعى “نسبة الاحتياطي القانوني” فكل بنك حتى يعمل في السوق عليه الاحتفاظ بجزء من أمواله السائلة على شكل وديعة مجمدة لدى البنك المركزي وهي وديعة اجبارية، فلنفرض أنني حاكم البنك المركزي، وارتأيت أنّ هناك تضخم، بكل بساطة وبتلفون واحد اطلب رفع نسبة الاحتياطي القانوني إلى 30% مثلاً بعد أن كانت 10%، خلال يومين أتحدى أن أجد زبون واحد في أي بنك، هذا اللعب الخشن بعينه فعندما لا تنصاع البنوك للنصيحة والكلام المنمق بدهم تكسير راس، فبكل بساطة أكون بذلك أجبرت جميع البنوك على حذف جزء كبير وضخم من رأسمالها السائل ووضعه على شكل وديعة مجمدة لدي [أقصد لدى البنك المركزي]، وهذا بالضبط العصا في العجلة، فالبنوك حتى تقوم بمنح الائتمان عليها الانصياع لقوانين لجنة بازل وإلا تم تصنيفها كبنوك ضعيفة الثقة أو عالية المخاطرة، قوانين اللجنة تحتم على البنوك التجارية مراعاة العديد من العوامل والمخاطر المتعلقة برأسمالها، وكون سيولتها انخفضت، وهي ترغب في المحافظة على الثقة وتجنب المخاطر، سترتفع كلفة الائتمان، وبالتالي ينخفض الطلب والانفاق، والجميع يكون سعيد.

هذا كان جزء بسيط من علم التحليل الكلي الرائع في مجال الاقتصاد، أدرك أن زملائي الاقتصادين قد يدركون بعض الكفريات التي وضعتها في معرض شرحي، لكن منشاني مشوها، مو بيناتنا، ازرعوها بدقني.

ماذا عن الدول النامية؟، يا صديقي الدول النامية اقتصادها يمشي على بركة الله، ومعاذ الله نتدخل في ما أقره الله.

لا، حقاً، الدول النامية هدفها الأساسي في جميع المراحل الاقتصادية تجميع المدخرات وتوجيهها نحو صناعات أساسية، ربما تبدو من الخارج دولة فقيرة لكنها فعلياً تضخ مدخراتها في سبيل بناء صناعات أساسية هي مكلفة وباهظة للغاية، وبقدر ما يبدو الهدف بسيط، بقدر ما هو شبه مستحيل، فبعض الدول الصناعية لا ترغب أبداً بتحول دول استهلاكية إلى صناعية، بل تريدها فقط دول استهلاك، لا شيء آخر، هذا عدا عن قصص أخرى وعراقيل عديدة تدخل فيها القيم الاجتماعية والسياسية لتعرقل الخطط الاقتصادية.

على كل لامتصاص الكتلة النقدية في الدول النامية يمكن اللجوء إلى بنوك الادخار، رفع أسعار الفائدة أو تشجيع الادخار الاسلامي إذا لم يكن هناك أحد يرغب بالفائدة، يمكن تشجيع المشاريع الصغيرة، تنظيم الاقتصاد الغير منظم وادخاله في الاقتصاد القومي والاستفادة من أرباحه وتحويلها لأرباح قانوينة ومنح حسابات بنكية لأصحاب ورشات الاقتصاد الغير منظم أو ما يدعى باقتصاد الظل، وتخفيض التعامل النقدي لأدني درجة.

توجيه الاستثمارات نحو قطاعات انتاجية وليس استهلاكية، زيادة الانتاجية يعني زيادة العرض، تخفيض البطالة، وبالتالي انخفاض الأسعار. اللجوء لمصادر الطاقة البديلة، واعتبارها هدف استراتيجي لمجانيتها، وتجددها الدائم مما يخفض في الكلفة التشغيلية لدرجة كبيرة.

هذا شيء بسيط مما يمكن فعله، أما حقيقة الأمر فهو شديد التعقيد وليس بهذه البساطة أبداً، وتحتاج الدول النامية من خمس إلى ثلاثين سنة من التغيير الدائم للوصول إلى نتائج مرضية نوعاً ما، وربما لا تصل أبداً خصوصاً إن واجهتها أزمات سياسية أو عارضت أحد الدول الكبرى طموحاتها وفرضت عليها حظراً تقنياً أو اقتصادي او بكل بساطة فرضت عليها حرباً أو توتر سياسي يؤدي إلى تخصيص جزء كبير من الميزانية للتسليح العسكري.

عدا أن عملية التغيير الحقيقية هي بكم أنتم، في عقولنا، في نفسيتنا المقرفة في العمل، طريقتنا الساقطة في أداء أعمالنا ولجوءنا الدائم إلى التسويف ونقل المسؤولية إلى الغير، هذا عدا عن عدم اقتناعنا بمفهوم ادارة الجودة الشاملة وعدم رغبتنا بتقديم سلعة متميزة واحتقارنا للمستهلك الوطني ولرأيه، واعتباره مواطن درجة ثانية، أمّا المواطن الدرجة الأولى فهو الأجنبي، عدا عن غياب مفهوم التسويق بخسارة، واعتبار الأمر مهذلة بأن تبيع برخيص، آه عفواً نسيت أن أقول، هل هناك تاجر من تجارنا يؤمن بالتسويق؟! [الاعلان ليس بتسويق، التسويق عملية تبدأ من بتوقعات المستهلكين وترافق آلية التصنيع، وتنتهي برأي المستهلك مرة أخرى بالسلعة لدى فتحه طرد الاستلام، التسويق ليس مجرد أفكار خلاقة وألوان زاهية، لا تخلطوا بين التسويق والترويج].

ماذا تريدون أكثر من قناعتنا الدائمة بأننا بحاجة للغشّ لاتمام أعمالنا، بحاجة الطرق المختصرة، مفاهيمنا المشوهة والمنحرفة وأسلوبنا المريع في احباط من يحاول كسر التقليد والتطوير، وأخيراً انعدام التشجيع لأي عمل انتاجي، ودفن الابداع وقتل التفكير، وشنق كل من يحاول التميز بأحكام مسبقة تعيده إلى حظيرته وقناعته بأنّ لا شيء مميز فيه، هو مجرد خرقة أخرى من خرقنا البالية، أو ربما من يدري، كل ما ذكرته هو هلوسات صائم، أنتم أدرى.

هناك أمل لكنه بعيد، المهم تقبلوا تحياتي وأتمنى أنني لم أطلّ عليكم. وتضخم مبارك انشاء الله، آه عفواً، رمضان مبارك.

Advertisements