أحكام مسبقة…

“البشر بطبعهم ميالون إلى المثالية، نميل دائماً إلى أن نؤمن بالعالم الفاضل، حيث لا كذب ولا خداع ولا نفاق، حيث الجميع في الليل هم تماماً كما في الصباح، حيث الأزواج المخلصين والزوجات المطيعات”.

هكذا تقريباً تم تسويق فكرة برنامج الواقع الأمريكي, الكولومبي الأصل، “مومنت-أوف-تروث، لحظة الحقيقة“، وهو من أكثر البرامج العالمية اثارة للجدل، البرنامج أعتقد  أن جميعكم فهم فكرته أو شاهد حلقة منه أو مقطع على الأقل، فكرته تقوم على طرح ما يقارب 50 سؤال على المتسابق في غرفة خاصة مجهزة بأجهزة كشف الكذب، ثم اختيار عدد معين من هذه الأسئلة لاستخدامها في البرنامج، وإن كانت الاجابات جميعها صحيحة، تكون قد ربحت نصف مليون دولار [ما يقارب 25 مليون ليرة]، لكن ربما تخسر حياتك الاجتماعية وأكثر من ذلك بكثير في حال ربحت أم لم تربح.

راقب تصرفات الجمهور، وراقب خيبة أمل الشريك الجالس على مقربة من المتسابق، علماً أننا لو أبدلنا الأماكن بين المتسابق والشريك، لا أعتقد أن النتيجة ستكون مختلفة.

هناك نوعين من الأسئلة، أسئلة تسألك عما إذا فعلت هذا الشيء فعلاً أم لم تفعله، وأسئلة تسألك عما إذا فكرت بفعل هذا الشيء أم لا.

بالنسبة لي، أعتقد أن الثانية هي الأخطر في موضوع الأحكام المسبقة، فالأولى هي شيء تم فعله على أرض الواقع، ربما ندمت عليه وربما لا، وفي كلا الحالتين، يكون من أسرارك الشخصية الدفينة أو ربما تقرر لاحقاً مصارحة الناس به والتصالح مع ذاتك.

أما النوع الثاني فهو شيء لم تفعله، انما شيء فكرت فيه، ومن المرعب جداً أن تتم محاكمتك على شيء فكرت فيه فقط ولم تفعله. ويمكن تشبيه الموضوع بصيغة كوميدية، فكم مرة رغبت بتحطيم رأس بعض الأشخاص وهم يتحدثون إليك، أو رغبت بركل صديقك على شيء سخيف قد فعله أو تفوه به، لكن لم تفعل، ولم تحاول فعل شيء من هذا القبيل.

في البرنامج يطرح أسئلة من نوع، هل فكرت بالخيانة؟ بالقتل؟ بالسرقة؟، وأعتقد أنه من الصعوبة الافلات من هذا السؤال، فكثير منا في اليوم الواحد يفكر بأشياء قد تكون شنيعة، اجرامية أو غير ذلك، لكن هذا يكون حبيس أفكارك، ومن مهمة دماغك البشري، أن يحلل النتائج، والعواقب التي ستنشأ من هكذا فعل، وتبدأ مقاربة الصح والخطأ بناء على عوامل اجتماعية عديدة ثم الربط ما بين الألم والمتعة، فكلما زاد الخطأ أو الألم، قرر دماغك رفض الفعل وعدم تحويله إلى أمر واقع.

لكن أحياناً قد يخطىء دماغك في التقدير أو تضعف قدرتك في مواجهة الخطأ، وبالتالي ترتكب خطأ قد لا يغتفر، أو ترتكب خطأ بسيط أو حتى تافه لا يذكر، المهم أنك ترتكب خطأ، فلا انسان بدون أخطاء، ولا انسان بدون أسرار قذرة.

جميعنا معرضين للخطأ، وجميعنا ضعفاء، ويثير قرفي من يصدر الأحكام على أخطاء الآخرين، ويتلذذ بمشاهدة مصابهم، هو كتلك النكتة، التي تقول: “ماذا يفعل النذل عندما مشاهدة الغريق، الجواب: يقف ويقول له لا تواخذني، هذا يومك”.

طبيعتنا البشرية لا تتوقف عند هذا الحد، بل تدفع في الأحكام المسبقة لتصل إلى درجة لا يمكن التراجع عنها، فكم مرة تعرضت للأحكام المسبقة، وقلت في نفسك، حسناً، ما ارتكبته كان خطأ ورغبت بالتراجع عن خطأك، فعندما تفعل ذلك، لا يتراجع صاحب الحكم عن حكمه. بل لا يمنحك فرصة للسماح، فقد أصدر حكمه وانتهى، فلا مجال للمسامحة والعفو أبداً.

عندما أفكر بالموضوع، أجد أنني ضعيف في كلا الناحيتين، ضعيف لدرجة وقوعي في الخطأ وضعيف لدرجة وقوعي في الأحكام المسبقة، الشعور بأنك غير محصن ضد الخطأ، وغير محصن ضد الأحكام المسبقة يعني أنك ستخطىء عاجلاً أم آجلاً، يعني أنك ستطلق أحكام مسبقة عاجلاً أم آجلاً، وما من شركة تأمين ستمنعك من الوقوع في هذا الحدث، إذاً ما الهدف من حديثي كله؟.

هدفي في حال وقوع كلا الحالتين، أن أخرج من الخطأ بأقل خسائر ممكنة، وأن أخفف من آثار أحكامي لأكبر درجة، وأن أكون أكثر قدرة على المسامحة لمن أخطأ بحقي أو أصدر حكماً عليّ، هدفي أن أنتمي إلى مجتمع يمنح هامش للتراجع عن الخطأ، مجتمع يتمتع بقدر كبير على مسامحة أبناءه ودفعهم إلى الأمام.

كلي أمل أن لا أتحول إلى مثال بائع الورد، الذي بيبع الورود لكل الناس باسم الحب، وما إن يعود للمنزل ويشاهد ابنته تحمل وردة من وروده، تثور ثائرته، ممزقاً الورد وما كان [احدى حلقات بقعة ضوء].

هناك نسخة قادمة بالعربية من البرنامج العالمي المثير للجدل من انتاج تلفزيون الشرق الأوسط، أشك بقدرة النسخة العربية على التجرأ وطرح الأسئلة الحقيقية، تلك الأسئلة التي تكشف زيف تسامحنا وتقبلنا للآخر، وتكشف مدى قسوة أحكام مجتمعنا على أبناءه الذين هم من نتاج هذا المجتمع، هذا المجتمع الفاضل المثالي الذي لا تشوبه شائبة، أمّا أبناءه، فمن يسقط منهم في الخطأ، نتبع معه مبدأ [الغريق، عطيه دفشة]، فلا هو مننا ولا نحن منه.

Advertisements

12 thoughts on “أحكام مسبقة…

  1. والله صحيح علوش…
    عن نفسي انا كل يوم بخطر على بالي شغلات حرام وخطأ وما بتجوز
    بفكر فيها للحظات وبعدين بحكي اعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
    ومتل ما حكيت علوش الاسئلة الاصعب هي الاسئلة اللي بدها جواب عن شيئ فكرنا فيه لكن ما عملنا واغلب الاسئلة بتكون خطيرة جدا…

    بوست رائع..وتحليل اروع
    تحياتي

  2. من وجهة نظري هذا البرنامج هابط المستوى والمحتوى لأنه يبني مجداً على حساب خصوصية البشر وأعتقد أن الذي يشارك به هو انسان غبي لأن الله أعطى الانسان جميع مقومات حفظ السر والخصوصية وهناك أشياء كثيرة إن لم تقلها فلن يعرفها أحد سواك ويأتي هذا البرنامج ليلعب على هذا الوتر وبالنتيجة سنرى أن هذه البرنامج تقلل كثيراً من قيمة الانسان وتزرع هوس الشك في النفوس ….. والناس عادة لا تسامح بعضها البعض لأنها ترتكب أخطاء شبيهة لذلك هي تخاف مواجهة نفسها بتسامحها مع الآخرين .
    تدوينة ممتازة ومن النوع الذي أحبه
    سلامي لك أخي

  3. Mohammad Irshid ::.
    ~~~~~~~~~~~~~
    مهي المشكلة هون متل ما قلت، إنت قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وخلص، نفيت الخطأ، لكن لو عرف حدا بالخطأ يلي فكرت فيو، بتعتقد رح يسامحك؟ علماً إنو إنت ما سويت شي، ومع إنو هو نفسو ممكن يكون فكر متلك، لكن عنا نحن رغبة كبيرة بالأحكام المسبقة، ونستمتع وللأسف ببمارسة هذا الشيء.


    Ahmad ::.
    ~~~~~~~
    كلامك حلو، لكن هذا على نطاق شخصي، ماذا لو بطريقة ما عرف حدا شو فكرت فيو؟ هل باعتقادك مجتمعنا قادر يتفهم ندمك، أم رح يتعامل معك بطريقة وكأنك مرتكب للذنب، علماً إنك ما ساويت شي.


    عطاالله ::.
    ~~~~~~
    كلامك فيو وجهة نظر قوية، لكن بنظري أعتقد إنو البرنامج مرآة للمجتمع، أنت شفت مستوى البرنامج هابط لأنو المجتمع الأمريكي بالنسبة إلنا هو مجتمع هابط، لاحظ إنو في كتير شغلات عندهن ياها بديهية، نحن عنا ياها مستحيل تصير.

    أتفق معك حول من يشارك، وأضيف أنه ليس غبي فحسب، بل انسان مادي بحت، يعني في احدى الحلقات كانت المتسابقة على ادراك أن زواجها سيتحطم، لكنها أبت إلا أن تحصل على 500 ألف دولار، وفي النهاية خسرت زواجها وخسرت النقود.

    بالنسبة لهوس الشك، أعتقد إنو نحن من دون البرنامج عنا هوس الشك، أفضل مثال لمجتمعنا العظيم، ذكرني إيمتا شفت شركة محترمة فيها تجار من غير الأخوة، ولك حتى شركات الأخوة، عم تتكسر وتتحطم، روح المشاركة عنا معدومة لأنو نحن عنا شك فظيع ببعضنا البعض، مافي ثقة أبداً بين أبناء مجتمعنا، هذا عنا، فلشون عندهم.

    “والناس عادة لا تسامح بعضها البعض لأنها ترتكب أخطاء شبيهة لذلك هي تخاف مواجهة نفسها بتسامحها مع الآخرين .”

    أحييك، عنجد إنت بهل السطر، لخصت تدوينتي كلها، تماماً أخ عطا الله، هو الخوف من المسامحة، لأنو عند مسامحتهم عليهم مواجهة أنفسهم.

    وبحب أضيف كلام للسيد المسيح حول هذا الموضوع بالضبط: “من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بحجر”.

  4. يعني هالبرنامج حسيته (بلا تشابيه)متل يوم القيامه
    يعني في فضيحه بعد كل سؤال ومحاسبه على شي فكر فيه الشخص او شي عمله وهوه ندمان عليه ومقرر انو يتركه سر خاص فيه
    بس مو الحق عالبرنامج او على فكرته
    الحق على هيك ناس مستعدين يدمروا حياتهم مشان المصاري

  5. تدوينة حلوة كتيير ياعلي وفيها نقلة نوعية عن تدويناتك السابقة
    وبالنسبة لموضوع التسامح عند الخطأ وموضوع الاعتذار عند ارتكاب الخطأ فهادا بكير كتيير عليه بمجتعاتنا

    و أنا عندي سؤالين بس
    1- بس ما تكون عامل شي خطأ من قريب وما عم يسامحوك عليه
    2- وبس ما أكون بشي مرة أنا هو الرفيق اللي كنت مفكر تركله أو تحطم رأسه شي مرة وهو عم يحكي معك

  6. Emad ::.
    ~~~~~~
    المال قرين الروح، لا تستهين أبداً بتأثير المال، وعلى قولة المثل، كل انسان مهما كان إلو سعرو.

    ما هون الفكرة عماد، إنو شي ارتبكو الانسان وقد يكون ندم عليه، فهل من حق الناس تحاكمو؟، هل من حق الناس تتعامل معو وكأنو مجرم، وفي حال هذا الشي صار، وفي حال وضح الشخص إنو ندم وحاول فعلاً يصحح خطأه، ليش المجتمع ما بيتراجع، ليش ما بيعطيه مساحة للمسامحة؟!، ليش هل القسوة.


    علاء ::.
    ~~~~~
    لك ابوس النقلات النوعية كلها انا :mrgreen:

    للأسف كلامك صحيح 100% يا علاء، مجتمعنا وللأسف، بعيد كل البعد عن العفو عند المقدرة، وعن كظم الغيظ، بعيد كل البعد عن المسامحة والتسامح، وللأسف.

    يا سيدي المشكلة عامل أخطاء لشبعان وكل ما بحاول صحح واحد منهم بتطلع بقا ألف شغلة خطأ غيرها، صاير فيني متل يلي عم يرجع للماضي ويصحح أخطاءه وإذ بتغير المستقبل والحاضر كله، كأنو مليون متغير مرتبط بمعادلة وحدة، أي تغيير فيها، عم تتغير المليون متغير، وعود شوف النتائج واضحك.

    لك يا سيدي حتى لو فكرت أركلك، ليش بسترجي، يا زلمة بكف واحد بتمسح فيني الأرض، أنا حبيبي ما بدخل معركة خاسرة، ههه.

    أحلى علاء، ملك الشبكات والله، سعيد كتير بوجودك.

  7. سبحان الله قديش قدران يسامحنا، الواحد لما يفكر بالأشياء يلي بتخطر ببالوه أو الشغلات يلي غلط فيها بيحس حالو جاية عبالوه يبكي يبكي شي تلت شهور .. ويشكر ربه أنو أول شي هو تواب رحيم .. بيغفرلنا هفواتنا الصغيرة وحتى أحياناً مصايبنا الكبيرة.. تاني شي بيستر ع كتير قصص بحياتنا وبأفكارنا ..

    ع قد ما بحب التكنولوجيا من ناحية، بكرها من مطرح تاني .. يعني لما يتخيل الواحد أنو في خصوصيته كلمالها عم تخترق، وأنو صاير مكشوف بأبسط أفكاره .. بيكره كل هالدوامة

    أنو يعني شو فائدة هيك جهاز للإنسان غير أنو ينزع حياتو، هيك نحنا وهي شغلات مغروسة فينا ولاحدا فينا فيه يوقفها حتى أتقى الأتقياء يعني معقول ما بيخطر بباله قصص غلط…

    ولا هديك الشريحة يلي بتنزع بالدماغ بيتنزل عليها معلومات … تخيل بقى منقعد منعمل داون لود عدماغنا .. وين تميزنا .. وين أفكارنا وأبداعنا ..

    التكنولوجيا حلوة بس ما تطمس معالم الجنس البشري بحلوه وبمره

  8. “هدفي في حال وقوع كلا الحالتين، أن أخرج من الخطأ بأقل خسائر ممكنة، وأن أخفف من آثار أحكامي لأكبر درجة، وأن أكون أكثر قدرة على المسامحة لمن أخطأ بحقي أو أصدر حكماً عليّ، هدفي أن أنتمي إلى مجتمع يمنح هامش للتراجع عن الخطأ، مجتمع يتمتع بقدر كبير على مسامحة أبناءه ودفعهم إلى الأمام.”

    و انا أشهد لك بذلك ..

  9. Fatosha ::.
    ~~~~~~~
    المشكلة إذا عم تلاحظي عم تصير على مستوى حياتنا اليومية، بريدنا كلو محفوظ وحتى لو حذفتي رح تضل نسخة منو موجودة على سيرفرات الشركة لمدة طويلة قبل الحذف النهائي، محادثاتك محفوظة، حتى عندي برنامج اسمو غوغل ديسكتوب، بيحفظ كلشي من جهازي بنسخة على مخدمات غوغل، صراحة أنا قبلان بهل الشي كون هذا ضريبة التكنولوجيا، وبوكرة رح تصير امكانية نعرف بالضبط وين الانسان قاعد، وشو عم يحكي وشو ساوا…إلخ.

    بنظري أعتقد وجود هيك تكنولوجيا لازم نستغلها كفرصة حتى نطور أسلوب المسامحة، ونغفر للناس هفواتها، ويكون عنا استعداد دائماً نفتح صفحة جديدة، هذا بالاضافة لتطوير هاجس إنو ممكن أنفضح بأي لحظة وهيك رح أصير أكتر انضباط والتزام :) .

    مصيرنا هو إنو نتقبل التكنولوجيا ونكييفها مع حياتنا بطريقة أو بأخرى، لأنو رفض التكنولوجيا أبداً مو حل.


    mohammad-online ::.
    ~~~~~~~~~~~~~~
    سعيد بوجود أخ محمد، وشهادتك أعتز فيها.

  10. ربما الأثر سيكون سلبيا لدرجة قاتلة في برنامج كهذا بنسخة عربية

    المشكلة أنه حتى قانونا لايمكن أن تحاسب على النوايا

    لكن أدبيا تبقى النية ستبقة العمل

  11. محمد max13 ::.
    ~~~~~~~~~~~
    يا سيدي على سيرة النوايا القانونية، ذكرتني بفيلم ماينوريتي ريبورت لـ توم كروز يلي بيحكي بالضبط عن هل القصة، انصحك بمشاهدته، فيلم روعة.

التعليقات مغلقة.