الكيلو متر هو ألف متر، أضف إليه 3 يصبح لدينا أربعة آلاف متر، أضف إليه الجوع، مع التعب، مع انعدام النوم، يكون ذلك بكابوس حقيقي.

لكنه لم يكن كابوس، بل كان حقيقة، في ذلك اليوم لم أستطع النوم، وهكذا حتى موعد محاضرة الساعة الثامنة صباحاً، ومن الساعة الثامنة حتى الثالثة والنصف كان لدي أربع محاضرات، طول كل منها ساعة ونصف، حضرنا بعضها أنا وصديقي “عبود” وتخلفنا عن أخرى، في اثناء ذلك لم نكن ندري مالذي ينتظرنا.

ربما ظننا أن العودة إلى المنزل سيكون أمر سهل، فنحن في حلب، ثاني أكبر مدينة في سوريا وتنافس العاصمة في خدماتها وتسهيلاتها….هذا ما ظنناه على الأقل.

إلا أن هناك أمر غاب عنا، ولم نأخذه في الحسبان، فبـ الأمس قامت الحكومة برفع أسعار البنزين بمقدرا خمس ليرات لليتر، مما سبب فوضى في أسعار التكاسي وذلك لاستغلال أصحاب التكاسي “أولاد الحرا.. عفواً أولاد الحلال” هذه الحادثة والتحجج برفع أسعار البنزين فيأخذون فوق التسعيرة النظامية بمقدار الثلث أو أكثر، كون بعضهم يقوم باطفاء العداد، وهنا المواطن المسكين قرر خلال هذا الأسبوع اللجوء لوسائل النقل العامة المثقلة أصلاً، التي من الصعب تغيير تسعيرتها، وهي تبلغ في الأغلب 5 ليرات سورية على الشخص الواحد، حسناً، ما علاقة الخمس ليرات بـ أربعة آلاف متر؟.

حين قررنا أنا وعبود العودة إلى المنزل، ولحظة وصولنا إلى ساحة الجامعة حيث نأخذ المترو….عفواً الميكرو (باص صغير) للمنزل، اقترح عبود أن نأخذه (الميكرو) من الطرف المقابل، قبل ساحة الجامعة نظراً للازدحام، ووافقته، مشينا قليلاً، ولكن وجدنا أن جميع السيارات ممتلئة عن بكرة أبيها، حيث تشاهد قفا البعض ملتصقة بالزجاج وتكاد تسكره، من شدة الازدحام داخل السيارة، أشبه “بأطرميز المكدوس”، ذهلنا أنا وعبود، وغصصنا قليلاً ثم جاء الاقتراح بمتابعة المسير للأمام أكثر، وهنا يجب أن أنوه أنني لم أنم منذ 27 ساعة، جائع وتعب، وقدمي لا تحملاني، أما عبود فكان في الليلة السابقة قد التحق لأول مرة بنادي رياضي وجميع أجزاء جسده تعاني من التعضيل، وأقل حركة منه، تسمع منه تأوهات ولا هيفا وهبي.

وصلنا إلى نقطة هي نقطة اللاعودة، وهنا قررنا استخدام خطة ذكية وهي أن نأخذ ميكرو في خط الذهاب، والبقاء فيه حتى يعود إلى خط الاياب، موافقين على المدة الزمنية الاضافية التي ستضيع.

المسار الكامل للطريق الذي قمنا بمشيه.

(لاحظ المسار من اليسار لليمين، من الجامعة إلى مركز المدينة)

انتقلنا إلى الطرف المقابل للشارع، وهو خط الذهاب، حيث كنا شاهدنا أثناء مسيرنا على خط الاياب اكثر من ميكرو فارغ، ولكن وكان لعنة أصابتنا، أصبحت جميع السيارات مدروزة درز (ممتلئة) ، ولا حتى مقعد فارغ، بشكل جنوني أصبح الجميع يريد الذهاب إلى مركز المدينة هذه الساعة.

بينما كنا نحاول الحصول على ميكرو فارغ، كانت أغلب التكاسي فارغة، مزهوة بضوئها الأخضر (يعني فارغ) وهي تسير بحثاً عن صيد لها، وكل سيارة تمر من جانبنا، تعطينا ضوء عالي واطي، فنقول له لا، لا نريدك بكل قرف، وكأننا ملوك، لا نركب تكاسي.

المهم بعد فقدان الأمل بالميكرو، قررنا الحصول على تكسي، وهنا كانت الكارثة، أصبحت جميع التكاسي حمراء (يعني مليئة) ولا حتى ترضى بأن تقف لنا، حيث عادة كانت التكاسي تقبل بصعود راكب آخر، ولكن توسلاتنا لم تنجح.

تكسي أم ميكرو، �الة الضياع والتردد

(لاحظ الانكسار في المسار، حيث قررنا في الانكسار الأول الانتقال لخط الذهاب ثم قررنا الحصول على تكسي، ثم قررنا الانتقال للطرف الآخر واكمال السير، بينما العالم كانت تشاهدنا ونحن ننتقل من طرف لآخر.)

مضت حتى الآن 3 أرباع الساعة منذ خروجنا من الجامعة، وهنا قررنا أنا وعبدو القرار المصيري، إلى النهاية، نعم بدون توقف، قررنا السير إلى بداية الخط، وهذا يعني تقريباً ضعف المساحة، كدنا نسقط من التعب، لكن تابعنا المسير وكأننا في معركة.

في آخر الطريق بدانا نهلوس، ونتكلم بأشياء غريبة، ونشعر بغليان غريب في أقدامنا، صراحة بدأت أشعر أن أصابيع قدمي أصبحت كحبات البطاطا، وهكذا حتى وصلنا إلى الميكرو، واقتنصنا مقعدين فارغين من الأمام، تنفسنا الصعداء ونحن نعود إلى منزلنا، مع نوم متكرر، أثناء الطريق، إلا أننا كنا نستيقظ عند كل مطب.

وصلت للمنزل ونمت فوراً، دون أي طعام أو كلام، بل أنني لم أستطع سماع هاتفي الخلوي يرن، صراحة كانت نومة رائعة، ولا بالأحلام.

Advertisements