على نسائم تشرين الباردة، المنعشة، وصوت الخبز المقرمش وأنا أقوم بتغميسه في صحن اللبنة، وزيت الزيتون الذهبي اللون يتلألأ مع لون اللبنة الناصعة البياض، وكأس من الشاي الساخن اللذيد، ومسلسل سوري يستحق المشاهدة، وبذلك تكون سهرتي قد اكتملت (قبل أن أبدأ، بينما أكتب هذه المقالة هطل المطر على مدينتي العطشى حلب، الله يبعت الخير يا رب، تأخرت علينا يا مطر، اشتقنالك).

كانت حلقة رائعة من مسلسل سيرة الحب، الذي يعرض على قناة شام، في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بتوقيت دمشق، وهو مسلسل في كل حلقة قصة عن مشاكل المخطوبين والمتزوجين، وهو يشبه مسلسل أهل الغرام، لكنه أكثر واقعية منه، من حيث قربه لنوعية العلاقات في المجتمع السوري، المهم، كانت الحلقة تتحدث عن فتاة ذات أخلاق عالية مخطوبة لشاب، وإذ به يرغب باختبار أخلاقها، فيعطي رقمها لصديقه، حتى يقوم بالتحرش بها، مرة مرتين وثلاث، وهكذا، ومما يبدو أن الفتاة قد أغرمت بالشاب الآخر، وفجأة تطلب الفتاة لقاء الصديق المتحرش في مقهى، وعند قدومه للقاءها، يفاجىء بوجود صديقه الآخر “خطيبها”، فتقوم الفتاة برمي خاتم الخطبة في وجه خطيبها وتقول له، فشرت عينك أتزوجك إنت أو صديقك الوقح.

مشهد قوي وبصراحة أعجبت بالفتاة التي عرفت كيف تدير اللعبة، وهذا الموقف كان مطابق لمبادئي، فلا يحق لي أن أختبر شريك حياتي، فإذا لم أثق بشريك حياتي، بمن سأثق، حتى وإن جاءتني الظنون، فأنا أترك الأحداث هي التي تختبر علاقة الانسان بشريكه، فمن أعطاني الحق لأقوم باختبار لشريك حياتي وكأنني أنا المثالي، خصوصاً عندما لا تكون هناك مؤشرات أو دلالات تستدعي التدقيق في سلوك الشريك.

هكذا حتى شاهدت الحلقة الأخرى، وكانت صادمة بالنسبة لي، فهي بالعكس تماماً، نفس القصة تقريباً، لكن هذه المرة الصديق انسان ذو شخصية وثري، وله تجربة مؤلمة مع خطيبته السابقة التي قامت بخيانته، فعندما يعرف أن صديقه قام بالخطبة يقنعه بضرورة اختبار خطيبته، ومن خلال أحداث المسلسل، تقوم الفتاة بالوقوع في حب هذا الصديق الثري وتترك خطيبها، وعندما تصارح هذا الصديق الثري بأنها تركت خطيبها، يبتسم لها ويقول لها أن تخرج من الباب، كما دخلت منه، ويعود لصديقه ليقول له، ألم أقل لك: “البنات مالهم أمان”.

قصتين متشابهتين، الأولى كان فيها الشاب هو الوقح، والفتاة في الثانية هي الوقحة، حسناً إذاً، هل أسلم أنه علي أن أضع شريكتي تحت الاختبارات المكثفة خلال خطبتي، لكشف صدقها، ام علي أن أثق بها، وأترك الأمر للأيام والزمن، بصراحة أفضل الخيار الثاني، لأنني ما زلت مقتنع أن لا أحد يحق له أن يختبرني، خصوصاً أن ظروف الاختبار قد تكون غير مناسبة، وغير واقعية لتحقيق النتيجة المرغوبة، وإذا كان الاختبار أمر جيد، إذاً لم الخطبة، أليست الخطبة هي فترة زمنية لكشف مدى التوافق بين الشريكين، فإذا كنت أستطيع كشف التوافق والصدق خلال أسبوع من خلال اختبارات مكثفة، فلماذا الخطبة إذاً.

إذا كان ولا بد من الاختبار فيجب أن يكون من طرف ثالث، وللطرفين معاً، والأمر ليس فقط بين المخطوبين والمتزوجين، بل أيضاً بين الأصدقاء، عندما يريد أحد الأصدقاء كشف مدى دعم الصديق الآخر له، هل أنت موافق على ذلك؟ هل تؤيد أن تقوم باختبار أصدقائك؟ وكأنك المعلم العظيم، بدل أن تترك الأيام لتبرهن لك على مدى صدقه أن مدى كذبه.

في أحد المرات اتصل بي أحد أصدقائي الأعزاء، وقال لي أنه سيسافر من المدينة بحكم عمل أبيه، شعرت بالحزن، وقمت بجمع بعض الأغراض كذكريات، ثم توجهت لمنزله، وأنا حزين، لأفاجىء أنه يكذب علي، وأنه كان يختبرني، مما أدى لفورة غضب عارمة مني، فمن أعطاه الحق ليختبرني، من هو ليختبرني.

لنعود قليلاً للمتزوجين والمخطوبين، ربما عقد الزواج يمنح الزوج والزوجة، حق بالاختبار أكثر من غيرهم، خصوصاً عند ظهور علامات تدل على ذلك، ولكن أليس من الأفضل المكاشفة بدل اللعب بلعبة اللص والحرامية، المرهقة لكلا الطرفين، لدرجة تحويل علاقتهم إلى جحيم لا يطاق.

من المفترض أن يكون الصديق أو الشريك محل ثقة، وما أكثر من يخون الثقة، لذلك دع الأيام تكشف لك زيف أصدقائك، لا تقدم على اختبارات قد تكون عاقبتها وخيمة على الطرفين.

هذه وجهة نظري، إذ يصعب علي التفكير يأنني ساختبر الانسان الوحيد الذي أثق به في حياتي، وهنا أطرح مشكلة أخرى تتعلق بالثقة والاختبارات، وهي مكاشفة الخصوصيات بحجة الزواج، أو الارتباط، وذلك عندما تطلب منك الشريكة كلمات السر لبريدك الالكتروني، أو فتح جميع الأقفال أمامها.

ربما لديها وجهة نظر بأن إن لم يكن هناك شيء لاخفائه فلم القفل، ولكن بريدي هو ملكي أنا، هو شيء شخصي، هو شيء باسمي أنا، لا أريد أن أمنح أي أحد حق الوصول الدائم إليه، إلا بعد وفاتي، وإذا لم تكن واثقة مني، فلم تطلب مني كلمة سر البريد، او حق الوصول الدائم لصندوق البريد.

من الممكن الوصول لحل وهو أن يكون الشريك على استعداد لفتح بريده متى شاءت، مثل نظام الكبسة، ولا مانع، لكن لن أمنح حق الوصول الدائم لبريدي لأي كان، فهو مثل منزلي المسجل باسمي، فلن أقوم بتسجيله باسم شريكتي، لأثبت لها أنني أحبها، من الممكن أن أشتري لها منزلاً آخر ان استطعت وأكتبه باسمها، لكن منزلي هو شيء يتعلق بشخصي، يتعلق بانجازاتي، يتعلق برصيدي في هذه الحياة، وأرفض أن تضعني تحت الاختبار وتقول لي إذا كنت تحبني، سجل البيت باسمي، هذا اختبار لا معنى له، مفرغ من معناه، فالحياة فيها موت وحياة، ودائماً عليك حفظ خط الرجعة، في حال غدر بك الزمان، او غدرت بك شريكتك.

وما ينطبق على الشريك ينطبق على الشريكة، فلا يحق للشريك أن يطلب من الشريكة بيع ذهبها، او جزء من ممتلكاتها الموروثة اثباتاً لحبها له، كأن يقول لها، إذا كنت بتحبيني اكتبي سيارتك باسمي.

اخيراً، افتحوا قلوبكم وامنحوا بعضكم الثقة، وإن خان أحدهم الثقة، فهذا نصيبك من الدنيا، ولا مفر منه، سواء أن اختبرت أو لم تختبر، وأنا هنا لا أتحدث عن الأخذ بالاحتياط، يعني عند الارتباط بفتاة، عليك البحث ولو قليلاً في نوع علاقتها، إذ ما معنى الارتباط بفتاة أو شاب معروف عنه أنه شاب ملعّب وليس له أمان، ثم الادعاء بأنه قام بالخيانة، فهذا أمر محتوم، إن الأخذ بالاحتياط واجب، لكن بعد اتخاذ قرار الارتباط، عليك أن تثق بقرارك وتمنح الثقة الكاملة لشريكتك.

 

 

Advertisements