أمة عربية واحدة….ذات رسالة خالدة…أمة عربية واحدة….ذات رسالة خالدة…أهدافنا…وحدة حرية اشتراكية…أهدافنا…وحدة حرية اشتراكية…استعد!! استرح!!…صوت مدرب الفتوة يصدح عبر المذياع, صارخاً بأعلى صوته: “السيدارة على راسك يا طالب”… ومنبهاً طلاب الانضباط بأخذ اسم كل من لم يقص أظافره أو يقص شعره او لابس كنزة بيضاء أو فاتحاً البيدريسة (الصدرية), ومنع الطلاب المتأخرين من دخول الساحة لأداء تحية العلم.

للأسف أحد الطلاب المتأخرين كان أنا, لأول مرة في حياتي, تأخرت لأن المنبه لم يعمل ونسيت أين وضعت الشارات (كنت في الصف الثامن وكانت السنة هي 1998) فاليوم هو يوم السبت (لم يكن نظام العطلة الثنائية مطبق بعد), ووالدتي لتوها غسلت لي بدلة الفتوة, تحسرت على أمري مستنداً على جدار مكتوب عليه بالبويا السوداء: “هوايتي في الصيف خلع حذائي والتمتع برائحة قدمي!!” , كانت عبارة مضحكة في غمار قلقي.

بدأ الطلاب المتأخرين في سرد سيناريو العقوبة, فالمدرب (مدرب الفتوة) مدرب لا يرحم المتأخرين, شعرت بالخوف قليلاً, لكن أحد المخضرمين (راسب ويتأخر دائماً), قال لا تخافوا, هلأ يا أما بينسانى يا أما زحفة البطة!!…

– أنا !! شو بطة شو جيجة, عندي حصة رياضيات, فهمان شو يعني رياضيات!!…(لا أعتقد أنه يعرف أن لدينا مادة كهذه)

– لك دخيلك شو بدو يصير…

عاد الصوت مرة ثانية بصوت أكثر غلاظة وأكثر جفاصة, انتبه!!, إلى الصف رتلاً نظامياً بدءاً من اليسار…وبدأت الطلاب بالدخول إلى الصفوف, بينما يرمقني أصدقائي وهم ضمن الرتل بنظرة عطف, وكأنني أنتظر حكم الاعدام !!.

نسي مدرب العسكرية أمرنا كما قال الأخ المخضرم, ودخلت إلى الصف قبل دخول الأستاذ, جلست بجانب صديقي, وبدأنا بالحديث المعتاد…لا أذكر انني تأخرت مرة ثانية على المدرسة في حياتي, لا أعرف لماذا تذكرت هذه القصة, فمنذ يومين قرأت للأخ عبد الله عن أيام مدرسته, وشجعني ذلك لأتذكر المزيد عن حياتي الدراسية.

أجمل الصفوف التي شعرت بها بالسعادة وما زلت متذكراً إياها, كانت الصف الخامس, والثامن, والحادي عشر, حيث تكون عادة الفترة, هي فترة الوسط, وتكون مندمجاً تماماً مع الصف, ربما لا تصدقون ذلك, لكنني سعيد أنني كنت من جيل البدلات وليس الثياب المدنية, فكنت أعشق النظام العسكري الذي يكسو مدارسنا, بالرغم من أن أغلب مدارسنا لا نظام فيها وللأسف, إلا أنني أحب البدلة أكثر من البنطال الفضي والقميص الأزرق للشباب والزهري للصبايا, كما أنني أستمتع بحصص العسكرية, خصوصاً عندما نكون في درس عملي, عندما قام المدرب بعرض أحد القنابل الرمانية علي, كان مشهداً مثيراً حقاً.

الغريب بالأمر أنني بعد أن انتهيت أخيراً من دروس القومية, وحصص العسكرية, بدأت أشعر بأهميتها, فإذا عرفت أي شيء عن العرب وقضيتهم فلسطين, عن مجازر الاسرائيلين, ومدى وحشيتهم ضدنا, فهو بسبب هذه المادة.

بينما نتحدث عن البدلة, من ينسى الصدرية الرائعة والفولار الناعم بألوانه الزاهية للصف الأول والثاني والثالث, والأبيض للصف الرابع, والأخضر للصف الخامس, والأحمر للصف السادس, والجوزة لعقد الفولار, والدبوس لتثبيت الجوزة, وماما لتقوم بربطه عوضاً عني, قبل وضع صندويشة زيت و زعتر مع خيارة في حقيبتي من الخلف.

مدرستي الابتدائية ذات ساحة داخلية, ودائماً نتوسل لآنسة الرياضة, لاخراجنا للساحة الخارجية واللعب فيها قليلاً, فترفض لأنها تعرف أننا نعلب لوحدنا دون اشراف ولا نسمح للبنات باللعب !!. فتفضل أن نبقى تحت أعينها, وتخرجنا من الساحة عندما يحين دور البنات.

من أتذكر من أصدقائي؟ همم, جهاد, أحمد, جميل, غيث, فراس…لم أعد أرى أي منهم نظراً لتشتتنا, حياتي في الابتدائي كانت ملئية بالمغامرات والمرح, ما زلت أتذكر ألعاب التخليص حينما نعلب مع الفتيات (تحسرنا عليها أيام الاعدادي ;) ) وحصص الفنية حيث تعيد المعلمة نفس المواضيع كل سنة.

أكره لحظة في حياتي, عندما وبختني وقمعتني المعملة “لن أذكر اسمها” أمام الصف كله (الصف الثالث = 9 سنوات تقريباً = 1993) وذلك لأنني تذمرت من عدم وجود مقاعد كافية لنا…قبل أشهر أخذوا تبرع “تعاون ونشاط” 15 ليرة من كل طالب, وتبريرهم أنهم يريدون شراء مقاعد جديدة, ومضت الأشهر ولم أجد لنفسي مقعداً وكانت المعلمة “كحل مؤقت” تأتي بي وأصدقائي لنجلس على المصطبة الحجرية الباردة و هكذا بالدورية, وبينما أنقل ما كتب على اللوح وظهري لطاولة المعلمة, نسيت أن المعلمة ما زالت بالصف وقلت بصوت عالي, ما هذا !! أين المقاعد الجديدة التي وعدونا بها !! لقد بدأت معدتي تؤلمني !!.

وإذ بصوت غليظ عال يأتي من خلفي: ولااااااااا , قوم وقف على حيلك, لك شو مفكر مصرياتك بدها تشتري, 15 ليرة بدها تشتري مقعد إلك, آه ؟…وكان مني أن خرست, ولم أتذمر بعد ذلك ابداً :) , ومع ذلك فانا أعشق مدرستي التي هي بجانب منزلي, وكل يوم أذهب لشراء الخبز من الفرن المجارو لها, أقف لحظات لأرى الطلاب وهم يدخلون إليها متذكراً نفسي وأصدقائي, أحترم كل معلماتي, أغلبهم يحبني ويكرمني بالمرحى التي أفرح بها كثيراً, وعندما يلاقوني بالطريق يتعرفون علي وأحييهم, لم أشعر بصعوبة تذكر في دراسة الابتدائي أو الاعدادي, إلى أن دخلت الثانوية…آه لحظة, بالنسبة للمقاعد, فقد جاءت بعد تخرجي من الابتدائي.

في تلك الثانوية وجدت أصدقاء العمر, وحبي الأول, المدرسة أفضل بكثير من اعداديتي, ففيها كل شيء, أو دعونا نقول فيها كل ما يلزم أي مدرسة عصرية, فمدرتسي القديمة لم يكن بها مخبر فيزياء , ولم ندخل إلا قليلاً لمخبر العلوم. على عكس هذه الثانوية التي بها مخبر علوم كامل, ومخبر كيمياء ومخبر فيزياء بكامل العدة, وقاعة مطالعة ومكتبة, ومرشد نفسي.

الادارة جيدة إلى حد ما, وكل سبت وخميس يحضر مفتش من التربية ليتفقد أحوال الطلاب, كان صفنا نموذجي, 25 طالب, على عكس المدرسة القديمة التي بها 50 طالب تقريباً في الصف الواحد.

أكثر الأساتذة الذين أحببتهم, أستاذ الرياضيات بالرغم من أسئلته الصعبة جداً إلا أنه كان كالأب الحنون في نصائحه لحياتنا ومصالحنا, وأستاذ العلوم الذي كان يبذل جهداً مذهلاً في محاولة الارتقاء بالتعليم بأبسط الأدوات الممكنة, وأستاذ الفيزياء المذهل الذي لم أجد له مثيل في شرح الفيزياء وجعلها مادة ممتعة للغاية, والآنسة مدرسات مادة اللغة الانكليزية وهي مادة محببة بالنسبة إلي, بغض النظر عن مدرس هذه المادة.

حصص العربي كانت مملة بالرغم من أن الأستاذ يحاول فعلاً بذل مجهود فظيع في افهامنا, إلا أن تخصصنا علمي, فلم نهتم كثيراً بالعربي, وبصراحة الشعر والقصائد يرفع ضغطي, فكيف بشرحه, كنت أكتفي في الجلوس والنظر بالأستاذ وهز رأسي كلما قال: “مظبوط؟”, ودماغي في عالم آخر تماماً, أسرق بعض اللحظات من الزمن لأطيل النظر في تلك الفتاة التي أحببتها, جالسة في فرقة البنات, تكتب بعضاً من ملاحظاتها باهتمام, أشعر بالغيرة, لم هي منتبهة وأنا لا, أحاول تقليدها لكنني أفشل, فلا شيء يجعلني أعشق الشعر, حتى هيّ.

حصص التاريخ كانت ممتعة حقاً, خصوصاً في الحادي عشر, الكتاب جداً صغير, عن ثورة أوروبا الصناعية, والحصة كلها ضحك ومرح, من أسلوب الأستاذ الهزلي في الدرس, حيث يسأل أحد الطلاب سؤال فيجيب اجابة خاطئة, ويمسك الأستاذ جواب هذا الطالب ويبدأ منه شرشحة هزلية مضحكة للغاية.

حصص العسكرية, وقصص مدربتنا, حيث تفضل أن لا تعطينا الدرس خصوصاً عند انتشار نبأ سحب هذه المادة من المناهج الدراسية وإلغاء عسكرة المدارس, بل تفضل الجلوس على أحد المقاعد وتبدأ بسرد قصص من حياتها وتأخذ رأينا في ذلك, والحصة فرصة لنا نحن الشباب لنترك الدراسة قليلاً والاتفاق حول مشروع طلعة في البلد, أو تشكيل فريق “كونتر” لكي نلعب بعد الصرفة في أحد مقاهي الشبكات.

أدائي في حصص الرياضة فاشل, وبما أنني أتبع مبدأ يا لعيبة يا خريبة, كان أصدقائي يحلون المشكلة بحجر ورقة مقص, لأن من سيضعني في فريقه فهو أكيد خاسر, لا أعرف لماذا لا أنجح في هذه اللعبة, فإن لعبت حارساً: دخلت الأهداف, وإن لعبت دفاع, تكسرت أقدام فريق الخصوم.

أحياناً كنت لا ألعب وأذهب إلى المكتبة مع صديقي “سامي” و “معتز” لنتحدث مع أمين المكتبية الذي كان كصديق لنا, أصدقائي الذين ما زالت تجمعني روابط الصداقة بهم هم: سامي, معتز, ابراهيم نحاس, حسام, أحمد.

لكن لا شيء يعدل حصة المعلوماتية, خصوصاً عندما نستخدم قاعة العملي, في ذلك الوقت لم يكن الحاسوب منتشر بكثرة, وكان من يملك حاسوب فهو “شغلة كبيرة“, وفي الحصة يبدأ كل شخص باستعراض مهاراته, ويصبح معلماً على رفاقه, على كل حاسب خمسة طلاب, كل واحد منهم يريد أن يشعل الحاسب, الكل يريد ضغط الزر, الكل يريد امساك الفأرة…وفي الصفوف الخلفية, تجد من يمتلك معرفة بالحاسوب, غير منتبه للدرس, بل يقومون بانزال لعبة فيفا, أو تومب رايدر, ويلعبونها بينما الأستاذ يشرح.

وعندما تسأل البنت سؤال, يصبح الجميع معلم, حتى أن الأستاذ لا يستطيع أن يضبط الصف, فالكل يريد مساعدة هذه الفتاة, فهي لا تعلم كيف تنشىء مجلد جديد, فتجد أحدهم قفز من المقاعد الخلفية وأصبح جانبها, بغضب الأستاذ ويعيده للخلف, محاولاً الحصول على انتباه الفتاة, والعكس تماماً عندما أحد الصبية يسأل, فلا أحد يجيبه إلا الأستاذ, حتى من الممكن أن يسمع كلمة “لعمى شو حمار, ليش عم تسأل”.

بالطبع الثانوية كانت فترة مراهقتي, صراع في شخصيتي, وميزان يميل أحياناً لكفة التمرد, وأجمل ما في الثانوية هو طريق العودة, حيث كنا جميعاً نتجه لمطعم “الشموع” نأكل صندويشة فلافل مقرمشة ساخنة لذيذة بـ 10 ليرات سورية فقط !! أي 0.2 دولار مع علبة مندرين “لم يكن هناك بيبسي”, ثم نتجه أنا وصديقي “حسام”, إلى منزلنا, نستقل ميكرو وتبدأ أحدايثنا الطويلة التي لا تنتهي, لم نشعر بالوقت معاً, نقاشاتنا كانت حامية وعالية أحياناً, نختلف كثيراً لكن سرعان ما استطعنا التفاهم بسرعة.

انتهت أيام الثانوي بسرعة البرق, ولم أجد نفسي إلا حاملاً كتبي ومتوجهاً لقاعتي رقم 10 في كلية الاقتصاد من السنة الأولى في جامعة حلب الرائعة, لقد كنت وحيداً بالكلية بكل ما من الكلمة من معنى فلا أحد من صفوف الثانوي معي الكلية, سرعان ما استطاع علوش التأقلم والحمدلله وفقت في الحصول على أصدقاء قمة في الروعة, فمن عبدو إلى الكنج إلى علاء إلى قباني, وهم بمثابة أخوة لي, جمعتنا الأيام لندعم بعضنا البعض في سنين دراستنا, رسب بعضنا في السنة الثانية ومنهم أنا, وكان ذلك سبباً في تشتيت الشلة قليلاً لكننا ما زلنا معاً وكل يوم, نخشى المستقبل لمعرفتنا التامة بأن الأيام كما جمعتنا فهي ستفرقنا, فهذا سيعمل وذلك سيسافر, وآخر سيتزوج, حياة عملية تختلف كل الاختلاف عما عهدناه.

بقي لي سنة واحدة أتأمل أن أنجح وأتخرج فيها كصديقي علاء, الذي هو أول واحد تخرج من شلتنا, أيام الجامعة كانت أكثر متعة وأجمل من الثانوي خصوصاً في السنة الثانية عندما كنا شلة واحدة قبل رسوبنا, كثير من المواقف الطريفة والمؤلمة, أحداث رائعة وذكريات جميلة, منا من عشق, ومنا من كره, ومن من تحطم ومنا من تسرح من الجيش, لكن لم يستسلم أحد منا ولم يترك أحد جامعته, درسنا بجهد وما زلنا.

لا اشعر بخوف كبير من المستقبل, بقدر ما أخشى المجهول, أي أخشى الحوادث أو العوائق التي قد تحدث وتبعدني عن مستقبلي, إلا أنني مستعد والحمد لله للحياة العملية, وهي على بعد مرمى حجر, أتمنى مسك الختام.

لن أنسى ما كتبته على مقاعدي من وعود تجاه نفسي, ولن أنسى نظرات والدتي وهي تودعني من على الباب بدعواتها لي بالتوفيق, لن أنسى توجيهات والدي في كل مرة احتجت إليه, لن أنسى حقيبتي وما فيها, لن أنسى مساعدة أخوتي لي في كل مرة احتجت إليهم ولخبرتهم في الحياة, ولن أنسى أبداً أصوات الشغب والمرح في صفوفنا, أصوات تحمل في طياتها الأمل والطموح, الغضب والسعادة, الألم والفرح, أصوات شباب وصبايا من سوريا الحبيبة, جاءت بهم الأيام, وستأخذهم الأيام.

Advertisements