مرآة الزمن…

هل شعرت يوما بأنك تمر بالزمن كما لو كان ثانية واحدة…

ما زلت أذكر ذلك الطفل ذو الخمس سنوات، أذكره بينما تطعمه والدته، محيراً اياها بأصناف الطعام الذي يريده، فكل شيء جديد بالنسبة له، رائحة الطعام جديدة، وألوانها جديدة، وطعام والدتي كان ولا زال جداً لذيذ، وما إن أنتهي من الطعام حتى تمسح لي فمي بمنديل ناعم, ثم تنهض وتأخذني إلى المغسلة.

فترفعني كي تصل يداي الصغيرتان إلى صنبور الماء، وتبدأ بغلسهما، أتذكر طعم الصابون وهو يدخل فمي، وأتذكر صوت أساورها، تصطك ببعضها تحت الماء، مصدرة صوتاً هادئاً، رقيقاً..

كان هناك مرآة كبيرة فوق حوض المغسلة، عندما أقف على قدمي، لا أرى سوى جزء من شعري، وعندما أقفز، كنت أرى وجهي للحظات ثم أعود إلى الأرض.

في أحد الأيام، قررت أن أرى نفسي كاملاً على المرأة، أردت أن أشعر بشعور الكبار حين وقوفهم، فأحضرت كرسياً ووقفت عليه ثم نظرت إلى نفسي بفرح، بدأت أبتسم وأضحك، آه ها أنا ذا.

وإذ بي أتوقف عن الضحك، فلقد رأيت عيني، اللتان طالما سمعت الناس يتكلمون عنهما، كانت غريبة تلك الحدقة، شعرت بأنني أرى شخصا ما بداخلها، وفي تلك اللحظة تمنيت بكل ما لدي من قوة: “ربي اجعلني كبيرا، ودعني أرى نفسي كاملا على المرآة، دون كرسي”.

سنوات مضت، وهموم ومشاكل تراكمت، أفراح كانت أو أحزان، فقد ذهبت دون عودة، هي اثنان وعشرون عاماً مضت على وجودي في هذه الأرض، وكالعادة توجهت لأغسل يدي، بعد الطعام ودون أي تعب فتحت صنبور الماء، وغسلت يدي، وفمي، وأثناء تجفيفي لوجهي، أخذت أنظر إلى المرآة و أقوم ببعض الحركات السخيفة، وفجأة شعرت بموجة حرارة تجتاح جسدي، ثم أحسست بدمي قد تجمد في عروقي، تلا ذلك قشعريرة خفية سرت في أضلاعي.

كأنني أعلم هذه اللحظات، تشعر بشعور بأنك فقدت توازنك كما يحدث عند بداية نزول المصعد، ويبدأ عقلك بالعمل، على مطابقة الصور قبل أن تذهب اللحظة، لا تريد أن تفوتك هذه اللحظة، تريد أن تتذكر متى شعرت بهذه اللحظة، فأنت تعلم أنك قادر على التذكر، إلا أنك تحتاج إلى مزيد من الوقت، لا تتحرك، لا تغير شيء، صورة بعد صورة، صوت بعد صوت، ومضات من الماضي، هيا، هيا، أين أنت يا عقلي حين أحتاجك.

وأخيراً توقفت، لأنظر في انعكاس حدقة عيني، وإذ بي أبتسم لقد أدركت ما الذي حدث:

لقد كبرت، فلماذا صَغرت أحلامي.
_______________
Read it in English

Advertisements

7 أفكار على ”مرآة الزمن…

  1. هلأ معقول مالك متذكر شي من طفولتك, أنا أكيد متلك, من أسبوعين مالي متذكر شي, بس في لحظات بتمر بحياة الانسان مستحيل ينساها مهما طال الزمن, وانا بالنسبة إلي طفولتي أغلبها متذكرها بكل تفاصيلها, يمكن لأنو كنت مبسوط فيها أكتر من هلأ ;)

  2. موضوع جميل
    سررت بزيارتكم لمدونتى وادعوكم الى موضوع جديد
    …..(.ادعوكم الى . .اكتب عنوان )
    ولو اعجبكم الموضوع اضغط على الايقونة لترشيحى
    ضمن افضل 100مدونة

  3. الا يساوركم احساس وانتم تقراون هذه الفكرة الجميلة , احساس بالخوف !!!!!؟؟؟؟؟ نعم بالخوف ولم لا . علوش تغمره الفرحة لاننه كبر , اما انا على العكس ينتابني الحزن والخوف من المستقبل وكذالك الماضي , وكذالك لانني كبرت …..

  4. من اروع ما قرأت ..

    عندما كنا صغاراً كنا نظن أنه مازال امامنا الكثير من الوقت لنصبح كبار .. لكن هوووووووب بلمح البصر صرنا كبار

    لا أزال أتذكر تماماً كيف كنت أقف صباحاً أمام منزلنا بانتظار قدوم حافلة المدرسة .. وبسبب وجود مدرسة ثانوية قرب المنزل كنت أرى الطالبات – الكبار – يمرون وكانوا دائما يحاولون – الحركشة – بي ..

    كنت أنظر من تحت- حيث أنا – إلى فوق حيث هم .. وأقول في نفسي .. ييييي شو كبار!

    الآن وأنا على بعد عام تقريبا من التخرج عندما أرى من هن في الثانوية .. أقول في نفسي: يييييييي لساتهن صغار!

    أهي محاولة مني لإقناع نفسي بأنني أيضاً لا زلت صغيرة .. ربما

  5. ..:: نور .
    ___________

    جميعنا نخاف من المستقبل, ونخشى على أنفسنا من المجهول, هذا الخوف هو مفيد أحياناً كونه يدفعنا لأن نتخذ قرارات واحتياطات تجنباً للمخاطر, ولكن أحياناً يدفعنا باتجاه قد يؤثر على سلامة قراراتنا, وقد يؤدي بنا الخوف إلى رفض الكثير من حولنا, خوف من مستقبلنا معهم, ليؤدي بنا الأمر بالسير في الطريق الذي بالأساس حاولنا تجنبه.

    ..:: فتوشة.
    _______________

    أحياناً بحس حالي مهما كبرت رح ضل صغير, بتذكر لما كنت بالابتدائي وشوف طلاب السادس, طوال وكبار, ولما صرت سادس, ما حسيت في فرق كتير, وهيك نفس الشي للبكالوريا, بعدين هلأ صرنا على وش التخرج وما زلت متذكر لما كنت أتعربش على شجرة التوت وأنا عم أستنى مدفع رمضان ليضرب وكأنو امبارحة.

    يمكن نحن منوصف يلي أصغر منا بأنون صغار ومع إنو مالون صغار, متل طلاب البكالوريا مثلاً, لأنو منستمتع بكونا أكبر منهم…

    يعني مثلاً, حتى لو كان الواحد بعمرك, ولنفرض هو رسب وأنت نجحت سنة, بتصيري بتشعري إنو أنت أكبر منو, وبتصيري بتحبي تعطي نصايح, مع إنو يمكن هو أشطر منك, بس هو الموقع يلي نحن فيو, ورؤيتنا لغيرنا عم يمروا بنفس تجربتنا, فروحنا الانسانية بتدفعنا لأنو نتعامل معهم على إنهم أقل خبرة…أو ربما لأنو منحب نقنع أنفسنا إنو نحن لسعتنا صغار متل ما قلتي :) .

  6. التنبيهات: Mirror of Time « Ali from Syria

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s