الوسوم

, ,

كالعادة بعد ان استيقظت، نظرت إلى طاولة الدراسة وبدأ عقلي مباشرة بالتفكير، كيف أستطيع الهروب من الدراسة بطريقة شرعية؟، لم يكن هناك أفضل من حجة الغداء، كون الساعة قاربت الثانية ظهراً، نهضت وشاهدت والدتي وهي تطبخ ساعدتها وسكبت صحناً لي، انتهيت، ماذا بعد، آه، كأس من الشاي، هل أستطيع الدراسة قبل أن أشرب كأس من الشاي، صنعت لنفسي كأس من الشاي وتوجهت إلى غرفة المعيشة أدرت التلفزيون على محطة تبث برنامج يتناول آخر فضائح الأمريكيين، هذه تزوجت، هذه تطلقت، هذا مخمور، وذلك مخدر، هذه اغتصبت، هذا خان زوجته، إلخ.

مللت من أخبارهم وبدأت بتبديل المحطات، طبعاً الفضائية السورية رقمها 9 في مفضلتي، وما أن أصل لهذا الرقم أبقى فترة لا تتجاوز أجزاء من الثواني وفوراً أبدل المحطة، كان يعرض برنامج للصغار، اسمو عم يكبروا، وبالرغم من أجزاء الثواني إلا ان ضغط دمي ارتفع، وفوراً بدلت المحطة، وصلت إلى نهاية القائمة والآن علي العودة.

في أثناء العودة وقفت ثوان أخرى على الفضائية السورية، وأنا مقتنع بأني سأبدل المحطة، ولكن شاهدت وجهاً لطيف ، آه إنه سليمان العيسى، كيف هذا، مالذي يحدث هنا، هذا غريب، كيف قاموا باستضافته، هذه خطوة ذكية، هممم، تابعت حديثه بشوق، فأنا مثلي مثل كل الشباب والصبايا السوريين ندرك تماماً من هو سليمان العيسى وكيف رافقنا خلال مرحلتنا الابتدائية، وكيف كنا نغني قصائده بكل فرح.

حديثه لا يمل أبداً، عجوز، لكن لديه قلب مليء بالشباب، وقدرته على الجلوس بين أطفال برنامج عم يكبروا والحديث معهم، والرد على أسئلتهم التي كانت كسيل المطر، لهو دليل على سعة صدره، ولطافة روحه.

كنت أصغي باهتمام شديد إليه، وما إن يقاطعه أحد الأطفال، انظر بغضب إليه، تحدث سليمان العيسى عن حياته، وعن موطن ولادته في قرية جانب انطاكية، التي هي الآن في لواء اسكندرون المقتطع لجيراننا الأتراك، بعد اتفاق خبيث بين فرنسا والحكومة التركية آنذاك.

كان هناك بعض المنغصات في البرنامج، مثلاً وجود طفلة واحدة جالسة والآخرين واقفين، ثم كانت تلك الفتاة التي على اليسار، والعلكة في فمها، أو الطفل الذي يسأل سؤال للشاعر ثم يقاطعه بسؤال آخر قبل ان ينتهي.

منغصات لكن لم تقتل جمال اللقاء، ففي النهاية استطاعت الفتاة الجالسة وببراعة ادراة الفقرة الأخيرة من الحوار بالتحدث حول كتب سليمان العيسى المخصصة للأطفال والتي تتحدث عن الشعراء، بصراحة فوجئت بانها قرأتهم، أتوقع لها مستقبل نير.

أكثر ما أعجبني هو سؤال الفتاة للشاعر عن قصيدة عمي منصور النجار، فقالت له من هو منصور؟

أجابها: منصور هو نجار كان في حارتنا، حيث أرشدت إليه فتاة صغيرة ليصنع لها منزلاً خشبياً للعبتها…من هذه القصة الواقعية البسيطة أنتج قصيدة أصبح الأطفال السوريون يرددونها بكل فرح.

وكان اسلوب تصويره لقصائده جداً رائع بالرغم من بساطة الأحداث الناتجة عنها، وخصوصاً عندما قام بتصوير الخريف، وتحدث عن حادثة رؤيته لطفل في أبو رمانة بدمشق، يمشي مع والدته على الرصيف المليء بأوراق الشجر، فيقوم الطفل بالقفز فوق الأوراق لجعلها تتطاير وتطفو…هذا هو الخريف بنظر سليمان العيسى.

أو عندما اصطحب طفله على ظهره، فنظر الطفل إلى القمر وقال له، اعطيني القمر لألعب فيه.

بالرغم من عدم حفظي لأشعار وقصائد سليمان العيسى، إلا أن مجرد ذكر اسمه يبعث في نفسي ذكريات جميلة، حيث ترافق اسمه مع لحظات سعيدة في حياتي، وهي عندما كنت طفلاً، كانت المعملة تغني ونغني وراءها تلك القصائد الرائعة.

طبعاً لم ينسى سليمان العيسى التحدث عن مدينة حلب (مدينتي)، التي وصفها بزهرة عمره، حيث قضى عشرين عاماً فيها، وتزوج فيها، وولد أولاده فيها، وكتب نصف أشعاره فيها، وأنا أقول له، إن مدينة حلب لن تنساك أيضاً.

نهاية اعتقد أنها خطوة ايجابية جداً من جانب ادارة الفضائية السورية، أتمنى ان يتابعوها، وهي استضافة أشخاص لهم الأثر الكبير على الأطفال في برنامج على الهواء، وبالطبع لا أحد يستطيع أن ينكر تطور القناة الفضائية ولو بخطوات خجولة بالرغم من انها حكومية وتمويلها ضعيف مقارنة بغيرها.

أما بالنسبة للأطفال مقدمي الحوار، ليس هناك صعوبة لو تم تدريبهم، وتعليمهم كيفية ادارة الحوار، والتحدث، وأعتقد أن المرة الثانية ستكون أحسن من الأولى وهكذا دواليك.

بالتوفيق جميعاً.
علوش.

اعتقد انه لا مفر من الدراسة الآن.

آه لحظة: إذا كنت ترغب بقراءة ديوان سليمان العيسى أو أي شاعر آخر فقط اضغط هنا

Advertisements