بينما أتمشى مع صديقي وأحدثه عن أسبوع التدوين عن الجولان وأهميته بادرني بسؤال؟ هل يفخر السوريين في الجولان بهويتهم؟!، صراحة صعقت من هذا السؤال، وكأنه يتضمن لهجة تخوينية لشعب صمد ضدّ الاحتلال 41 عاماً!!. الجواب نعم، أهل الجولان يفخرون بهويتهم السورية ولا يرضون عن غيرها بديل [أجيب عن السؤال وأنا أستهجن نفسي].

شعار مخيّم الشام
الاحتلال اليوم يتبع أساليب مختلفة في التضييق على أهلنا في الجولان وحثهم على قبول هويته النجسة، فهو يبتعد عن الصدام المباشر لأنه يدرك أن العنف سيولد العنف، ويقوم بدلاً من ذلك باللجوء إلى أساليب نفسية، بدءاً من مصادرة الأراضي، المياه، إلى الغاء المنهاج الوطني، انتهاء باستغلال الحاجات الانسانية لفرض الهوية الاسرائيلة.
على ضوء ذلك، سأتحدث عن موضوع جديد كلياً، لأنني لم أقرأ أو أسمع عن مخيمات الجولان الصيفية ولا في أي وسيلة اعلامية، هذه المخيمات التي بدأت منذ سنة 1985 كردّ على محاولات الاحتلال لغسل أدمغة الجيل الناشىء من سوريي الجولان وذلك بفرض المنهاج الصهيوني وقطع أي صلة معرفية مع الوطن الأم، سأتحدث عن مخيمات وطنية بأسلوب ترفيهي تهدف إلى تعريف الطفل السوري في الأرض المحتّلة بوطنه الأم، هذا الوطن الذي لا يعرف عنه شيء الا اسمه.
كانت أسماء المخيمات في السابق تتغير تبعاً للأحداث والأوضاع، فبدأت باسم السنديانة [رمز التشبث بالأرض]، ثم مخيم الشهيدة غالية فرحات، مخيم الأرض، مخيم الوحدة، مخيم الصمود، مخيم الراية، مخيم العروبة، مخيم الجلاء، مخيم الجنوب، مخيم الشام، مخيم الغد، إلى أن تم الاستقرار على اسم مخيم الشام ملحقاً بتاريخ المخيم، وكان آخره مخيم شام 2008 [وهو المخيم رقم 15].
مخيم يجتمع فيه أطفال سوريا من قرى الجولان المحتل الناجية من الدمار، [مجدل شمس، بقعاثا، مسعدة، عين قنية، الغجر، "سحيتا" التي دمرت وهجّر أهلها في سنة 1971] ليتعارفوا على بعضهم البعض وينصهروا ضمن هوية سورية واحدة، في مواجهة محاولات الاحتلال الاسرائيلي وأعوانه لتعزيز الهوية القروية وبث روح النزاعات والعنصرية بين أبناء هذه القرى.

يجتمع أطفال سوريا مرة كل صيف من جميع أنحاء قرى الجولان المحتّل
وقام الكيان الصهيوني بزجّ منظمي المخيم في بدايات نشوءه في السجون، وسارع إلى اغلاق المخيم لكن التفاف سوريي الجولان حوله [في ثمانينيات القرن المنصرم] مشكلين طوق بشري منع ذلك، والمخيم يقوم بشكل أساس على التطوع والتبرع، بدءاً من تركيب المخيم انتهاء بالطعام والشراب، وقد واجه مخيم شام 2004 خطر عدم القيام وذلك بسبب بيع الأرض التي يقوم عليها عادة لجهات أخرى رفضت استقبال المخيم، وسرعان ما التفّ أهل الجولان حول المخيم وسارعوا بالبحث عن قطعة أرض جديدة كلفتهم الكثير لتسويتها وجعلها صالحة لقيام المخيم، ونهاية كان لهم ما أرادو بالتطوع والعمل المشترك.

في كلّ خيمة نشاط ثقافي يهدف إلى بناء وعي وطني مقاوم لثقافة الاحتلال
مالذي يدفع المواطن السوري لبذل كلّ ذلك؟ مالذي يدفع السوري في الجولان المحتّل لأن يرفع علم سوريا وينشد حماة الديار رغم أنف المحتّل الاسرائيلي، وهو الذي ان قبل بالهوية الصهيونية تزول جميع عقباته وتسهل كلّ اموره، لماذا يصرّ الجولاني على أن يقول بأعلى صوت بأنه سوري شاء رب صهيون أم أبى؟، سوريين وطنيين أحرار يحملون في قلوبهم حب الوطن والانتماء، سورييون يعتزون بهويتهم وانتماءهم، سوريين يستحقون منا كلّ الاحترام والتقدير.

مخيّم الشام فرصة لتعريف الأطفال بوطنهم الأم وتعزيز حب الوطن والتأكيد على الهوية السورية
في مخيمات الشام يرفع أطفال سوريا في الأرض المحتّلة علم الوطن الذي يبقى مرفرف حتى آخر يوم في المخيم، يلي ذلك نشيد حماة الديّار، ثم نشيد المخيّم*، وتبدأ فعاليات المخيم التي تندرج من ترفيهية إلى ثقافية، من حلقات نقاش عن الوطن إلى رحلات تعريفية بالقرى المدمرة التي تنمو عليها المستوطنات والقواعد العسكرية للاحتلال كالفطور مسممة أجواء جولاننا المحتّل.
وحاولت المجالس المحلية العميلة للاحتلال تشويه سمعة هذه المخيمات وعرقلة قيامها، باقامتها مخيمات على نفس الفكرة ولكنها مختلفة ومفرغة من المضمون، مخيمات لم ولن تلقى أي أهمية في ظلّ وجود وطنيين أحرار يذللون كل العقبات لزرع حب الوطن والانتماء في نفوس أطفالهم.

يتخلل المخيّم فقرات ترفيهية ترسم البسمة على وجوه السوريين في الجولان المحتّل
وكان من البارز مشاركة مهرجان “من فلسطين إلى الجولان” الثقافي مع بدء فعاليات مخيم الشام 2008، هذا المهرجان الذي يؤكد ارتباط قضية الجولان بقضية فلسطين، فالعدو واحد والجرح واحد، أراض محتلة، قرى مدمرة، ونازحيين يعلقون آمالهم على يوم العودة، حيث ارتفعت أعلام سوريا وفلسطين معاً في فعالية وطنية حرّة، مذركين أنه لا سلام حقيقي دون حلّ القضية الفلسطينية وأهمها حقّ العودة.
عن نفسي أود شكر ادارة مخيمات الشام على جهدها المذهل وأوجه تحية لكل الأطفال والشباب والصبايا والنساء والرجال الذين ساهموا ويساهمون في هكذا فعاليات انسانية بكل معنى الكلمة، سعدت جداً برؤية أطفال سوريا في الجولان وددت لو لم تنتهي صورهم، أطفال كلهم حياة وحيوية، أطفال محبة وسلام، أطفال الأمل والحريّة، في عيونهم شوق وتوق للوطن، وقد تعلمت من هؤلاء الأطفال معنى حبّ الوطن واحترام العلم كما لم يعلمني أحد آخر، ولن يمضي الصيف القادم مرة أخرى دون ذكر لهذه المخيمات [ويحق لي السؤال أين اعلامنا الوطني من تغطية هذه المخيّمات، سواء العام والخاص؟]، سأحاول ما بوسعي زيادة التواصل مع سوريي الجولان الأحرار، تحيّة حارة من الوطن الأم لكم يا شباب الجولان، وبإذن الله المخيمات القادمة تكون تحت سيادة الوطن، يرفرف فيها علم سوريا حراً كريماً للأبد.

لن يكون هناك سلام بدون حلّ قضية فلسطين وأولها حق العودة
أسبوع التدوين عن الجولان، قد بدأ، وقد ينتهي بالنسبة لكم خلال أسبوع لكن بالنسبة لي أخذت عهداً على نفسي بأنني لن أنسى ما حييت هذا الجزء الهام من هويتي وثقافتي، وسياسة الأمر الواقع لم ولن تعني لي شيئاً، يستطيع الاحتلال تدمير قرانا، وتشتيتنا، منع الماء عن أهلنا، واقتلاع وجرف أراض بذل آبائنا فيها الغالي والرخيص لأجل كل غرسة، يستطيع سجن وتعذيب شبابنا المقاوم، بث الفتن بين أبنائنا، لكن لن يتمكن يوماً من انتزاع حب الوطن، لن ينال من هويتنا ولن ينال من ارادتنا، والحريّة لجولاننا الحبيب.
يمكنكم الاطلاع على مزيد من الصور والمعلومات عن مخيمات الشام من هذا الرابط [عن موقع الجولان الالكتروني]، علماً أن جميع الصور من ذات الموقع.
* نشيد المخيّم / أنشودة للوطن [لا أدري كلمات من، ولكن مناي لو كان هناك تسجيل للنشيد بأصوات أطفال سوريا في جولاننا الحبيب]:
فديت بمهجتي وطناً أبياً … درجت على مرابعه صبيا
سيبقى ما بقيت حمى عصيا … على سهم الغزاة وعبقرياورايتك المجيدة في الأعالي … سننسجها بأفئدة الرجال
ونزرعها براسخة الجبال … ونلبس حلة الأحرار زياغدا بالعلم لا بالترهات … وبالاعمال لا بالأمنيات
سنصنع يا بلادي المعجزات … ونملأ مظلم الأفاق ضيابيسراي الكتاب وفي يميني … سلاحي والأصالة في جبيني
وبين الحلم والعلم اليقيني … رصاصات عشقت لها دوياًفلسطين للاجئها مآب … ولو غمست باحمرها الحراب
وجولان الكرامة والهضاب … لمنبعها ورافدها سوريا





