أرشيف ‘من الاقتصاد’ التصنيف

أسباب سلسلة الانهيارات المالية ونتائجها..

أكتوبر 6, 2008

قبل أن أبدأ أودّ منكم قراءة الفاتحة على أرواح شهدائنا الأبرار في ذكرى حرب تشرين، شهداء سوريا ومصر، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، اندفعوا بكلّ قوة، مؤمنين بالنصر، مؤمنين بالحرية، أولئك هم الرجال بكل حقّ، أين نحن من ذلك الزمن الذي ليس ببعيد، يوما اجتمعت ارادة العرب من المحيط للخليج، في ذلك الوقت لم يكن هذا يعجبنا، اليوم نتمنى فقط عودة المثلث العربي [سوريا-مصر-السعودية]، لم أتوقع أن نصل إلى ما نحن عليه من التشرذم، تشرذم فوق تشرذم، ولا حول ولا قوة الا بالله.

ما علينا،

في التدوينة السابقة لم أتطرق بشكل كافي إلى ماهية القروض الرديئة، الآن كلّ ما عليك فهمه أنّ هناك عائلة ذات دخل محدود اقترضت لشراء منزل بسعر فائدة متغير، وعندما بدأت أسعار العقارات ترتفع رهنت منزلها للحصول على المزيد من القروض، ولكن ما إن انخفضت أسعار العقارات؟ بوووم، انفجرت الفقاعة.

الآن، كان هناك فقاعة، وانفجرت الفقاعة، لم يتمكن المقترض من سداد أقساطه، تشكلت ديون معدومة للبنك، انخفضت أسهمه، أفلس البنك وانهار، إذا لماذا تستمر سلسة الانهيارات؟.

سعود ال�داد

سلسلة الانهيارات المالية تتوالى تماماً كأحجار الدومينوز، المصدر: سعود الحداد

السبب هو التشابك المالي في الأسواق المالية، التي أصبحت مفتوحة لكل المستثمرين، فقد يكون أحد المستثمرين في البنك المُنهار مؤسسة في اليابان، وعند انخفاض سعر السهم، تخسر هذه المؤسسة نقودها، وبذلك يتأثر من يعمل في هذه المؤسسة في اليابان من أزمة مالية في أمريكا.

ومن أشكال التشابك انتشار فروع البنوك حول العالم، فالقاعدة هي التزام الفروع بدعم الأم، قد يكون البعض محظوظ كما حدث مع بنك HSBC فبالرغم من خسائره الكارثية في أوروبا، إلا أنه عوّضَ هذه الخسائر بالفورة الاقتصادية في الخليج وآسيا، لكن ليست كلّ البنوك محظوظة مثله.

قد تصل الخسائر لدرجة لا يمكن للفروع تحملها، وهنا يحدث انهيار كامل على مستوى الفروع والشركة الأم، فيغلق الفرع أبوابه، نتيجة انهيار الشركة الأم، وتتأثر جميع الشركات والأفراد المرتبطين بذلك الفرع، نتيجة أزمة لا علاقة لهم بها لا من قريب ولا من بعيد.

أمّا أهم أسباب سلسلة الانهيارات المالية، هي عمليات التوريق لضمانات القروض، فالبنك عندما يقوم بالإقراض يستحوذ على عقار أو سلعة أو ورقة مالية كضمان، يقوم البنك بعدئذ بتحويل ضمانات القروض هذه إلى أوراق مالية جديدة [سندات]، ويقوم ببيعها، ومن يشتري هذه الأوراق [يشتريها بداعي الاستثمار] يقوم بتحويل جزء منها كضمان مقابل قرض من بنك آخر، أو يستعمل هذه السندات كوسيلة لسداد ديونه، أي ديون تسدّ ديون، وديون تخلق ديون، وهكذا تستمر العملية حتى يتم موعد الاستحقاق فيعود الضمان لصاحبه وتتسلسل عمليات الاستحقاق لتغلق عملية التوريق.

بالاضافة إلى ذلك، كل سند من السندات التي تحدثنا عنها لها تقييم مالي، ومن يمتلك تقييم سيء، يلجأ إلى دفع رسوم لدى شركات التأمين التي تتعهد بدفع قيمة السند في حال تخلف البنك عن سداد قيمته أو زوال الأصل الضامن لهذا السند.

لكن ماذا لو؟
ماذا لو حدث هذا مع بنكنا المنهار؟ الذي فقد ضماناته، وأصبحت ديونه معدومة؟ ماذا يعني ذلك، ببساطة تتضاعف الديون المعدومة لدى كل مؤسسة مالية تعاملت مع هذه الأوراق، حيث أصبحت الأوراق المالية السابقة [السندات الصادرة عن الضمان] بدون قيمة، الآن اضرب الرقم بمئات الألوف، وهو رقم ضئيل مقابل العقارات [وهي الضمانات] التي انهارت وبيعت بالمزاد العلني، ستصل إلى رقم فلكي، إلى خسائر مرعبة، إلى انهيار مالي كأحجار الدومينوز.

فكل مؤسسة تعاملت مع هذه الأوراق المالية المشؤومة ستطالب بحقوقها، لكنّ أيّ حقوق هذه من ضمان أصبح خواء؟.

الآن انهار البنك الأصلي المُصدر لهذه السندات، وضاع الأصل الضامن لهذا السند [سيارة، عقار، أوراق مالية]، يأتي دور شركات التأمين التي تعهدت بالدفع تعويضاً عن خسارتك هذه، جميل جداً، لكن ماذا لو حدث هذا على مستوى آلاف السندات؟ ستقف شركات التأمين عاجزة عن السداد وتعلن افلاسها هي الأخرى.

ويضاف لأسباب الانهيارات المالية ارتباط العديد من المعاملات المالية بأسواق العقود الآجلة، أي العقود المستقبلية، والعقود المستقبلية قائمة على التوقّع، كأن تقوم ببيع سلعة [غير موجودة الآن] تتوقع انخفاض سعرها، لكن ستكون بعد أسبوع موجودة، العقود المستقبلية مجال معقد ومن الصعب فهمها إن لم تمارسها حقيقة، [أنا نفسي لا أستطيع شرحها] و لي عودة حول هذا الموضوع بتدوينة مستقلة بإذن الله.

المهم، تتفاعل العقود المستقبلية و الأزمة المالية مع توقعات المستثمرين للمستقبل وثقتهم به، وكلما انخفضت توقعاتهم وثقتهم بالمستقبل،  تراجعت المعاملات والعقود بسرعة وفقدت قيمتها وتحققت الخسائر بكل من يرتبط بهذه العقود، وعادة يكون التفاؤل والتشاؤم من أداء السوق، وطالما هناك أزمة مالية يعمّ التشاؤم وتتراجع العقود المستقبلية، وأهم مثال على ذلك، عقود النفط الآجلة وما يصيبها الآن من تراجع، فينخفض الطلب عن العرض فيهبط سعر البرميل.

ما هي النتائج؟
النتائج وخيمة، وسنعيش [نحن العرب سنعيشها عن بعد] آثار هذه الأزمة لعشرات السنين، أهمّ شيء، ستتغير قوانين إدارة المخاطر في البنوك للأبد، لن يكون هناك اقتصاد حرّ بعد الآن، ستكون هناك صعوبة في الاقتراض، وستكون هناك شروط قد لا تتمكن الشركات الصغيرة من تحقيقها، سيتباطىء نمو الاقتصادي العالمي وقد نلاحظ بطء في ظهور تقنيات جديدة نتيجة تعثر عمليات الإقراض والتمويل للبحث العلمي.

يتراجع الاستهلاك كما ذكرت مسبقاً لصعوبة الحصول على قروض بطاقات الائتمان، أو لارتفاع تكاليفها [الأمريكيين جميعاً يتعاملون ببطاقات الائتمان، وهي بطاقات دين، يعني الشعب الأمريكي كلّه محكوم بالدين للحكومة الأمريكية].

وتخفيفاً للأزمة قامت المصارف المركزية بضخّ المليارات، التي وصلت للتريليونات، لتسهيل عمليات الإقراض ومنع توقف النشاط المصرفي ونشاط السوق.

الاقتصاد الأمريكي قوي ومرن جداً، و قدرته عالية على التعافي، فهو اقتصاد متعدد الموارد وليس اقتصاد تجاري فقط، والقائمين عليه قادرين على التعلم من أخطائهم، قادرين على محاسبة أنفسهم، وقادرين على مواجهة المسؤول عن الخطأ والعمل على تصحيحه، لكن مع ذلك، المليارات التي تبخرت ليست مزحة، والخسائر قاسية جداً، وكما يقال غلطة الشاطر بألف وأنا أقول هنا قد تكون غلطة العمر، وآثارها واضحة على الأمريكيين، خصوصاً من فقدوا منازلهم وأصبحوا يعيشون في عربات مغلقة و مع ذلك تلاحقهم فواتير بطاقات الائتمان ومطالبات الاستحقاق من البنوك على شكل ديون طويل الأمد، أي ربما يموت وهو يعمل ومازال يسدد ديونه.

في المقابل وكأي أزمة مالية، هناك من ينتفع، انهيار البنوك الأمريكية سهّل دخول المستثمرين الأجانب ومنهم الصين، ما يحدث في أمريكا اليوم تماماً ما حدث في كوريا الجنوبية في الأزمة الآسيوية 1997، حيث انهارت أغلب الشركات الكورية وتعرضت للإفلاس، فدخل الأمريكيين مشترين لأغلب شركاتهم، اليوم لا تجد شركة كورية إلا و10% إلى 30% من أسهمها ملك الأمريكيين.

الانهيارات المالية تفسح المجال للأقوى لاحتكار السوق، فالرابح هو من يصمد رغم جراحه المثخنة، والمكافأة السوق بكامله ملك لك!!، كما حدث مع فقاعة الانترنت، من مئات الشركات لم يبقى إلا ياهو، وغوغل، وأمازون وغيرهم القليل؛ فانهيار أربع أضخم بنوك استثمارية أمريكية واندماج بعضها مع بنك أمريكا Bank of America جعله أضخم مؤسسة مالية على وجه الأرض، وستسمعون باسم هذه المؤسسة المالية كثيراً في المستقبل، هذا إذا لم ينهار وبقي صامد.

لاحظوا أنّ الخطة المالية للإنقاذ تتطلب 700 مليار دولار يتم تمويلها على شكل ضرائب من عامة الشعب الأمريكي، الحجة إما الخطة المالية وإما أن تفقدوا أعمالكم، والجميع يعلم إن لم تطبق خطة الإنقاذ، الهدف التالي في الانهيار هي القطاعات الخدمية والصناعية.

فبدون السيولة لن تتمكن البنوك من منح القروض، ولن يتمكن المستهلك من الشراء، فيغلق المصنع أو الشركة المقدمة للخدمة، مسرّحةً آلاف الموظفين والعمال، اليوم لا وجود لرأسمالية ولا اشتراكية، اليوم يوجد غني وفقير، الوضع شبهه كالمنشار، في التضخم يربح الأغنياء، وفي الكساد الفقير يدفع الثمن، الاقتصاد المنشاري أفضل وصف لما يحدث.

أخيراً،
سؤال بريء؟ العالم يتحرك لإنقاذ “الاقتصاد العالمي”؟ سؤالي، لو تم صرف 100 مليار فقط في مكافحة المجاعات وبناء المدارس في إفريقيا، وإدخال هذه الأمّة في عجلة الإنتاج الاقتصادي، وتحقيق تنمية لا بأس فيها، ألن يكون لذلك فوائد هائلة على “الاقتصاد العالمي”.

أليس دخول الصين عجلة الاقتصاد العالمي قبل أربعين سنة له أكبر الأثر على واقعنا؟!، هل كنّا لنحلم بامتلاك أجهزة الحاسوب الرخيصة الجيدة لولا العمالة الصينية الرخيصة؟.

سؤال بريء آخر؟ اليوم هناك دول “عربية” فاحشة الثراء تفتخر أنّها حققت تنمية شاملة وبنية تحتية عالمية؟ سؤالي؟ ماذا حضّرت هذه الدول لمواجهة هكذا أزمة في المستقبل، وهل اقتصادها “التجاري” قادر على التعافي في حال تبخرت المليارات؟.

لماذا لا تبدأ هذه الدول بصناعات ثقيلة متطورة وهي قادرة على ذلك، صناعات عسكرية وصناعات تقنية قادرة على خلق الطلب لا فقط مواجهته، صناعات تشكل مورد إضافي لمواردها الطبيعية، فتكون مُصدّرة بدل أن تكون مستوردة.

طالما لديها من الأموال ما يكفي لشراء الجبال الجليدية وتحويلها لمياه عذبة؟! لماذا لا تضمن مستقبلها ومستقبل أبناءها، ومستقبل العرب جميعاً؟.

هذه الدول هي أملنا الحقيقي في النهوض، فيها تتوفر جميع العوامل لبناء دولة عربية تكون قدوة لأشقائها، الأموال موجودة، واليد العاملة والخبرة موجودة، والموارد الطبيعية موجودة، أم إنّ مصير الدول العربية جميعاً فاحشة الثراء أم لا، هي تبديد ثرواتها وتبخيرها.

قد أكون لم أوفي الموضوع حقّه، وقد يكون هناك أخطاء بسيطة في شرحي، لكن أنا متأكد أنني تناولت العمود الفقري للقصة، الجزء المحوري منها، وهذا ما يهمّ، على كلٍّ لأي ملاحظات، أدرج تعليقك، وإن لم تتمكن راسلني، سأكون سعيد بقراءة رسالتك.

روابط ومراجع:
ثورة الويب 2، شرح مبسط جداً لأزمة الاقتصاد الأمريكي، ويكي انكليزي فقاعة الانترنت، ويكي عربي الكساد.
بشر الموصللي، البورصة، دار شعاع.

أزمة الرهن العقاري، الأزمة المالية الأكبر في التاريخ الحديث!!.

أكتوبر 5, 2008

في دراستنا كنّا نستذكر أزمة الكساد الكبير سنة 1930 [تواجه صعوبة في الولولج إلى موقع ويكي العربي؟!، اضغط هنا] وكأنّها لن تحضر أبداً، وأنّ العالم تعلم درساً قاسياً في تلك الفترة ولن يسمح بتكرارها.

درسنا بعد ذلك أزمات الأسواق المالية الكبرى، من آسيا إلى أوروبا وحتى أزمة السوق المالي السعودي الأخيرة، وكيف تتبخر مليارات الدولارات في الهواء لا لشيء سوى لحالات بيع هستيرية.

لكن أزمة الرهن العقاري؟ هي ثغرة حقيقيّة لم يكن أحد يتوقعها خصوصاً من أكبر وأضخم اقتصاد على وجه الأرض الذي تعلم الدرس في القرن الماضي وذاق ألم الكساد الكبير، الخسائر وصلت لأرقام فلكية لا يستطيع العقل تحملها، ومع ذلك الاقتصاد الأمريكي منتصب القامة ولم يسقط [بعد]، شيء يدعو للتأمل أكثر  والتعمق بشكل أكبر في اقتصاد أمريكا المرعب.

Daquella manera

آلاف الأمريكيين خسروا منازلهم، المصدر: Daquella manera

يسألني أصدقائي عن الأزمة الحالية وكأنها جديدة، يريدون أجوبة، يريدون جواب شافي دقيق كامل يصف الحالة بالكامل، وهذا بالضبط لا يستطيع أيّ اقتصادي فعله، فالأزمات المالية في الوقت الحالي تتداخل مع عوامل ومتغيرات بالملايين تتعلق من نفسية الإنسان إلى وضع السوق.

الأزمة المالية الحالية بدأت السنة الماضية واليوم نشاهد بعض من آثارها، الآثار الموجعة لم تظهر بعد، انهيار المؤسسات المالية هي بداية لحالة تصحيح شديدة ومؤلمة للسوق، يتبعها بشكل حتمي حال لم تتدخل الدولة انهيار في جميع القطاعات الصناعية والتجارية وتوقف النمو الاقتصادي وتحقق الركود، نعم لقد ذكرت أنّ ما يحدث هو تصحيح قاسِِ للسوق، كيف؟ استمر في القراءة.

الفقاعة؟ هل تدركون ما هي الفقاعة، ما أجملها وهي تكبر وتكبر، تستمر في نفخها وأنت تعلم أنها ستنفجر، لكن مع ذلك تستمر في نفخها، ثم في لحظة واحدة تنفجر، وتتلاشى وكأن شيء لم يكن، كان هناك فقاعات عديدة، أهمها فقاعة الدوت.كوم في سنة 2001 حيث انهارت جميع شركات الانترنت ولم يبقى إلّا بضع شركات تُعدّ على الأصابع، وفقاعة الانترنت هي المحرك الأساسي  لنشوء ما يدعى اليوم بشركات الويب2.

الفقاعة الحالية هي فقاعة العقارات، العقارات الأمريكية التي وصلت أسعارها للسماء واستمرت في الصعود، الجميع يريد الاستثمار في هذه السوق، لكن مهلاً أي استثمار يتطلب الشراء بسعر والبيع بسعر أعلى منه، ومهما كنت ذكي ستصل إلى مرحلة لن تجد من يشتري منك بسعرك العالي، وهنا تضطر إلى البيع بسعر أدنى مما اشتريت وهنا بالضبط تبدأ موجة انخفاض الأسعار.

هذا أحد عوامل انخفاض الأسعار التي تعتمد على الطلب والعرض، هناك عوامل أخرى، كالوضع السياسي وسوق العمل وغيرها، المهم أنّ أسعار العقارات بدأت في الانخفاض.

لكن قبل أن تنخفض أسعار هذه العقارات، كانت قد مُوّلت بقروض رديئة دون ضمانات كافية تدعى بالقروض العقارية  الرديئة مقابل فائدة عالية غير ثابتة لتغطي على المخاطر، عندما تتقدم بطلب قرض عقاري رديء يمنحه لك البنك مقابل ملكية المنزل الذي ستبنيه، مع سعر فائدة عالي متغير.

بالطبع هنا أسعار العقارات في ارتفاع مستمر، فهي صفقة رابحة، ابني بمليون وبيع بمليون ونصف، لكن ماذا لو أردت البيع وكان سعر المنزل نصف مليون؟.

عند هبوط أسعار العقارات، يرفع البنك سعر الفائدة لمواجهة الأخطار المحتملة وبذلك يرتفع قيمة القسط الذي عليك أن تسدده، ومع انخفاض سعر منزلك لن تكون قادر على السداد لمدة طويلة، فتعلن إفلاسك، فيقوم البنك بطردك من المنزل ويعرضه للبيع عبر المزاد العلني، المشكلة أنّ حالات الإفلاس وصلت لمئات الآلاف ومع عرض مئات الآلاف من المنازل للبيع، سينخفض سعرها زيادة عمّا انخفضت عليه، وبذلك ينشأ للبنك ديون معدومة، أي لم يستطع البنك تحصيل الديون المستحقة.

البنك لا يمكن أن يستمر إذا لم يكن هناك من مودعين، وعندما يعلن البنك عن ديون معدومة بالملايين أول شيء في الصباح الباكر تقوم به كزبون، هو الذهاب للبنك وسحب رصيدك منه، فنفسية الإنسان بالفطرة تفعل ذلك ولو كانت حسابات الإيداع مؤمن عليها مئات المرات.

لكن عندما تكثر حالات السحب يتعرض البنك لسحب مفاجئ غير متوقع، ولا تكفي السيولة التي لديه لتغطية السحب المفاجئ، قد يقترض من البنوك الأخرى مثل البنك المركزي، وهنا تقرأ في الجريدة المالية، أن البنك الذي تستثمر في أسهمه قد اقترض من البنك المركزي، فتشعر أنت كمستثمر بالخوف، وتبدأ حالات بيع جنونية في سوق الأسهم للتخلص من أسهم البنك، وأسهم البنك تمثل رأس ماله، وبذلك ينخفض سعر السهم، وينخفض معه رأس ماله.

فيطالبه البنك المركزي برفع رأس ماله وذلك بأن يشتري أحدّ ما أسهمه التي تم بيعها، أو إصدار أسهم جديدة، أو يعلن إفلاسه، فيقوم رئيس مجلس الإدارة بجولات مكوكية إمّا للحصول على قروض وتسهيلات أو يندمج مع بنك آخر، وإذا لم يتحقق ذلك، يتم إعلان إفلاس البنك ويطلب الحماية، فيتحرك البنك المركزي لشراء أسهم البنك وقد يصل الشراء إلى 80% من أسهمه وبالتالي يصبح البنك مؤسسة عامة!!.

أمّا إذا لم يتحرك البنك المركزي للحماية فعلى البنك السلام، يتم البدء بعمليات التصفية وتسديد مستحقات الدائنين بالترتيب، وقد تنتهي أصول البنك ولا تكفي لتغطية مستحقات الدائنين، خصوصاً الدائنين العاديين [حملة الأسهم العادية]، وبالتالي، تكون خسارة محققة.

وعند انهيار البنوك يصبح من العسير الحصول على قرض، وتصبح تكاليف الاقتراض ببطاقات الائتمان مرتفعة، تنخفض السيولة لدى الأفراد وينمكش الاستهلاك فتتكدس البضائع ويكون الكساد، إلا إذا تدخل المصرف المركزي [وهذا ما يحصل] ضاخاً الترليونات من الدولارات في الأسواق المالية ولصالح البنوك لتسهيل عملية الاقراض والابقاء على وجود نشاط استهلاكي، خشية حصول هكذا كساد.

حسناً، فهمنا كل ما سبق، لكن لماذا تستمر الانهيارات المالية، لماذا لا تتوقف عند حدّ هذا البنك، لماذا؟!!، هذا ما سأذكره في التدوينة التالية بإذن الله.