وسوم

, , , ,

“صباح السادس من شباط وأثناء الساعة الخامسة صباحاً، شعرت بحرارة عالية جداً، وددت الاستيقاظ لأشرب الماء فلم أتمكن من السيطرة على نفسي وفقدت توازني وقدرتي على التركيز”.

لديّ عادة بدأتها قبل سنتين وهي تسجيل حالاتي المرضية بالتفصيل الممل لأعود لها عند الحاجة لتحديد ما هو الدواء الذي تناولته، ما هي أعراضه الجانبية، وما هي بالضبط مدة العلاج التي استلزمتني، إنّ بناء قاعدة بيانات لتاريخي المرضي تفيد الطبيب في تحديد التشخيص المناسب وذلك عند ظهور أي مرض جديد قد يكون مرتبط أو له علاقة بمرض آخر.

هذه القاعدة ليست بديلاً عن الطبيب وهي ليست للتداوي، انما قاعدة معرفة تقطع الشك باليقين.

عندما أصبت بمرض التهاب الكبد [A] المعروف بأبو صفار [شباط الماضي] وهو أخف درجة من درجات التهاب الكبد، وددت بشدة لو أجد مدوّن [عربي] واحد يشارك العالم ما حدث معه.

الشعور بأنّك الوحيد المصاب بالمرض شعور حقير جداً، دائماً ما تجد السؤال الأول بعد التشخيص الذي تسأل به الطبيب عفوياً: “هل هذا المرض شائع؟” فترتاح عندما يقول لك ممازحاً: “ايه يا زلمة هل السنة صار موسم بس إنت جيت آخر الموسم”.

لكن على ما يبدو عادة المصارحة بالأمراض لدينا ما زالت تخضع لقانون السرية المطلقة خشية “الشماتة!” فنحن مجتمع قوي جميع أبناءه محصنين ضد الأمراض بكافة أنواعها، ومن يسقط بالمرض، مشكلته!، هذا ان كان مرض عادي، فما بالكم اذا كان نفسي!، مجنووووون، احرقووووه.

انتشار فيروس التهاب الكبد أ المعروف بأبو صفار سنة 2005 وفقاً لمصادر ويكي

انتشار فيروس التهاب الكبد أ المعروف بأبو صفار سنة 2005 وفقاً لمصادر ويكي

التهاب الكبد [A] مرض عابر وبسيط مقارنة مع غيره لكن التجربة التي تعيشها من العزل الصحي إلى الحمية الغذائية  [علماً أنها غير ضرورية لكن فقط لاراحة الكبد] إلى مشهد أكياس السيروم المعقلة وهي تقطر نقطة نقطة في جسدك تنهك نفسيتك وتشعر بأنك لن تتحسن أبداً.

التهاب الكبد [أ] ينتقل حصراً من مادة ملوثة بالفيروس إلى الفمّ، كالطعام أو الشراب، وطريقة انتقاله من البراز إلى الفمّ، كأن تشرب أو تتناول طعام ملوث بالفيروس عن طريق شخص ما لم يغسل يديه جيداً، وأغلب الظنّ أنّه انتقل إليّ عن طريق مطاعم الوجبات السريعة، والمرض ينتشر كجائحة لأنه سريع الانتقال، يذكر أنّ فترة حضانة الفيروس تصل إلى 60 يوم، وظهور الأعراض دلالة على بدء الشفاء، وهو من أمراض الدول النامية.

يذكر أن الحمية ليست ملزمة وقرأت في كثير من المواقع المتخصصة أنّ التعامل مع المرض يكون فقط بأخذ قسط من الراحة، في حالتي كانت الأعراض هي السبب في تدهور الصحة، فالتعرق المتواصل، قلة الشهية، والتقيؤ أدى إلى اصابتي بنقص حاد في السوائل مما تطلب السيروم الذي كانت مهمته فقط اعادة السوائل إلى جسمي ولم يكن لها أي علاقة بمحاربة المرض.

التهاب الكبد [A] كما ذكرت لا يمكن مقارنته أبداً مع التهاب الكبد [B] أو [C] أو [D]، فهناك فرق شاسع، حيث ينتقل [A] عن طريق الفم بشكل أساسي من طعام أو شراب ملوث، أمّا [B] [C] [D] ينتقلون عن طريق الدّم، [D] متطفل على الـ [B]، في حين يوجد لقاح فعال وآمن جداً لـ [B] ويحميك من [D] تلقائياً، لا يوجد علاج وللأسف لـ [C]، هناك أيضاً التهاب الكبد [E] نادر جداً ينتقل أيضاً عن طريق الغذاء.

التهاب الكبد [A]، لا علاج له، لأنّ الجسد يقوم بمحاربته سريعاً وبشكل فعال جداً ويكتسب مناعة دائمة ضده، وهو غير معدي عن طريق اللمس أو المصافحة، فقط لا تستخدم أدوات المريض سواء المنشفة أو أدوات الطعام، اغسل يديك جيداً بعد استخدام بيت الخلاء، كما لا تقبل المريض، وبالتأكيد لا تجعل المريض يحضر لك وجبة الغداء حتى ولو غسل يديه ألف مرة!.

نسبة كبيرة من البشر يصابون به ولا تظهر عليهم الأعراض بل يظنون أنه مجرد حمّى بسيطة، أمّا الباقي فتظهر عليهم الأعراض وهنا المشكلة، بحثت في النت حول هذا السبب وفهمت أنّ الأمر له علاقة بردّ الفعل المناعي.

ما علينا…

إليكم سير أحداث هذا المرض مع جهاز مناعتي المحترم، نسخاً ولصقاً من المستند النصي الخاص بهذا المرض:

3 شباط 2009
==========
بدأت أشعر بألم شديد أعلى الظهر عند الأكتاف والرقبة نزولاً في العمود الفقري إلى منتصف الظهر، ألم يشبه التعضيل أو يشبه حالة البرق، لكن البعض قال لي أنه عبارة تأثير البرد وسيزول تأثيرة بسرعة.

5 شباط
=====
في صباح الخامس من شباط، ليلة الرابع منه، شعرت بحرارة انتابتني، أخذت احتياطاتي ونمت لعلّ وعسى أتعرق وأنتهي من الحرارة، ولم يكن ذلك، استيقظت في السابعة والنصف صباحاً وشربت كأس ساخن من الكمّون تعرقت وشعرت بتحسن، لبست أغراضي وذهبت إلى فحصي، عند العودة ساءت حالتي ونمت فوراً، عند الاستيقاظ شعرت بخدر ودوخة بالاضافة للحرارة.

6 شباط
=====
صباح السادس من شباط وأثناء الساعة الخامسة صباحاً، شعرت بحرارة عالية جداً، وددت الاستيقاظ لأشرب الماء فلم أتمكن من السيطرة على نفسي وفقدت توازني وقدرتي على التركيز، ساعدتني والدتي على شرب الماء، تعرقت قليلاً وتحسنت، في الصباح تناولت حبة بروفين 600 فتحسنت حالتي، استبدلت ثيابي وخرجت لقضاء بعض الأمور، عند العودة شعرت بدوخة شديدة، أخذت حبوب [توسي غريب] وكنت قبلها قد أخذت [بانادول اكسترا] تبعاً للحاجة.

في المساء ساءت الحالة جداً ووصلت الحرارة إلى 39 درجة، مترافقة مع هلوسة و خفقان شديد، نصحني الطبيب بتحاميل [برفينيد 100 ملغ]، ومضاد التهاب [أوغمنتين 1 غ]، كنت أتحسن على التحميلة لكن جسمي لم يتحمل الأوغمنيتن، كما شعرت بحموضة شديدة في معدتي، وعاودت الحرارة للظهور عند انتهاء مفعول التحميلة، تابعت أخذي لبروفين.

7 شباط
=====
جاء الطبيب لمعاينتي ومنعني عن الأوغمنين والتحاميل قام بحقن ابرتين في العضل، مهدئة وخافضة للحرارة، تحسنت كثيراً خلال الليل، ثم وصف لي 3 ابر [روسيروس مضاد التهاب + سيتاكودين (بارسيتامول ) 3 مرات باليوم قبل الطعام + بروفين 3  مرات باليوم].

8 شباط
=====
في الصباح انتابتني حالة عطاس مستمر لساعة، راجعت الطبيب فوصف لي مضاد حساسية ومقشع [لوراتين]، أخذت الابرة الأولى، هدأت الحرارة لكن ما زلت أشعر ببعض الدوخة مع ألم واضطراب في المعدة.

9 شباط
=====
ذهبت للامتحان وعند العودة أخذت الابرة الثانية، وشعرت بدوخة وغثيان هذه المرة، وعند عودتي للمنزل أكلت غداء خفيف ثم شعرت مباشرة برغبة في التقيوء، تقيأت وشعرت بالراحة ثم شعرت بالوهن والتعب وقررت النوم، خلال هذه الفترة تبولت كثيراً، البول كان داكن جداً كالشاي.

10 شباط
======
في الصباح كانت حالتي متوسطة شعرت برغبة بالأكل فأكلت وجبة دسمة، لكن سرعان ما شعرت بالتعب وقررت النوم ولاحقاً أخذت الابرة الثالثة وبعد الابرة مباشرة شعرت برغبة بالتقيوء وتقيأت الطعام مباشرة، راجعت الطبيب مرة أخرى وهنا قام بفحصي مرة أخرى ليكتشف أخيراً أنني مصاب بالتهاب الكبد A، المعروف بأبو صفار، طلب المخبري على جناح السرعة وقاموا بتحليل الدم لمعرفة مستويات الصفراء في الدم وكانت تقريباً 1200، [طبيعي 40]،

10-11-12 شباط
===========
عدت للمنزل وتم تركيب خمس أكياس سيروم على مدى ثلاثة أيام لتعويض سوائل الجسم، كل كيس كان يحقن فيه ابرة فيتامينات و ابرة مضاد اقياء.

13 شباط
======
شعرت بتحسن كبير جداً بعد التخلص من السيروم ومستمر على حمية غذائية خالية من الدسم.

15 شباط
======
زال الصفار بأغلبه عن جسمي وبقي المزيد من أنحاء الكتف واليدين وبياض العينين، شعرت برغبة شديدة بالحك صباح اليوم.

تناولت صحنين دبس، وصحنين شوربة خضار مسلوقة لاحقاً، كما أتابع تناول الدواء الداعم [ليف 52]، المساعد على استعادة الكبد لوظائفه.

19 شباط
======
أشعر بعودة الصحة والعافية إلى جسدي، زال الاصفرار بنسبة كبيرة وبقي خفيف حول عنقي وبياض عيوني، سأقوم باجراء تحاليل اضافية في 24 الشهر.

ما زلت متابع على الحمية الغذائية وأدخلت إليها الرز المسلوق.

1 آذار
=====
شفيت تماماً والحمد لله.

المشكلة لم تكن بالمرض حقاً، عملياً أعراض المرض ظهرت في الخامس من شباط وشفيت تماماً في الرابع عشر من شباط، لكن المشكلة كانت في الاصفرار الذي يتطلب مدة طويلة ليزول، مع النقاهة التي وصلت إلى خمسة عشر يوماً.

العزل الصحي الذي مارسته على نفسي خشية انتقال العدوى لأهلي اضافة إلى الحمية الغذائية، فقدان الثقة بالطب، كون التشخيص كان بالبداية رشح، والشعور بأنك لن تشفى، المدة الطويلة في السرير تسببت لي بحالة من الكآبة الشديدة تطلبت ما يزيد عن أسبوعين لأخرج منها.

جحيم السيروم المعلق بيدي طيلة ثلاثة أيام متواصلة، الشعور بأنك مقيد عاجز، كنت شديد القلق في الليل وأنا أنظر إلى هذا الكيس وهو يقطر قطرة وراء قطرة، ما زلت أذكر لحظة ازالة آخر كيس من أكياس السيروم وخلع الابرة عن يدي، شعور الحرية المطلقة لا يصدّق!.

بيني وبينكم هناك جانب ايجابي بالأمر فالدعم والدلال الذي حصلت عليه من عائلتي إلى أصدقائي كان أكثر من رائع، لا أنكر أنني استغليت الموضوع قليلاً، يعني أقلّ منها!!.

عموماً ما صدمني، أنّه كان بالامكان تلافي كل ذلك بحقنة صغيرة لا تكلّف شيئاً مقابل التكلفة النفسية والمادية والاجتماعية والدراسية التي تكبدتها خلال شهر كامل، تقي من المرض وتمنع حصوله مستقبلاً.

ببساطة لقاح التهاب الكبد A، متوفر عالمياً وهو آمن تماماً، من خلال بحثي فهمت أنّ هناك نوعين من اللقاحات، الأولى هي عبارة عن فيروس تم اضعافه والأخرى عبارة عن أنتي جين، يعني لا وجود للفيروس أبداً، انما مجرد تمثيل للقشرة الخارجية إنّ صح التعبير محفزة لجهاز المناعة ليقوم بتكوين الأضاد، ولقاح التهاب الكبد A , و B هو من هذا النوع الآمن تماماً، اذ لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تصاب بالتهاب الكبد من جراء اللقاح.

أستغرب من الناس عند الحديث عن ضرورة أخذ اللقاح مثل لقاح التهاب الكبد [B]، وأستغرب عدم وجود حملات وطنية تدعو لاستكمال جرعات اللقاح لمن لم تسنح لهم الفرصة بأخذه كون هذا اللقاح تم ادراجه حديثاً في البرنامج الوطني، ومن هم في حكمي مواليد 1985 لم يحصلوا على هذا اللقاح.

أستغرب منهم تصوير الموضوع وكأنني أدعو لأن أكون حقل تجارب على لقاح قد يؤدي إلى الموت، جهل غير طبيعي!، وكأنني أتحدث عن لقاح جديد! أو عن لقاح يستعمل فيروس حيّ!، طبعاً من يتشدق بهذه الأفكار هو نفسه من يصرف آلاف الليرات على مضادات حيوية ويستهلكها بأنواعها جديدة أو قديمة لمحاربة مرض الرشح! نتساهل بشراء أدوية تعتبر اليوم أخطر من المخدرات كون استعمال المضادات الحيوية المفرط قد يؤدي إلى تعنيد الجراثيم! ويهدد الصحة العالمية!.

فقط للتنويه الفيروس ليس بجرثومة أو بكتيريا، الفيروس لا يشبه الكائن حيّ، فهو لا ينقسم خلوياً، كما لا يملك شفرة DNA، انما مجرد RNA، أي يحتاج إلى مضيف يحقن فيه الـ RNA الخاص به حتى ينسخ نفسه [والله لسعتي متذكر العلوم!].

ما علينا…

أتمنى للجميع دوام الصحة والعافية، والله يشفي كل مريض يا رب، ودمتم بخير.

مصادر قد تهمك:

About these ads