أرشيف فبراير, 2009

حضارة الموت…

فبراير 24, 2009

وصلني بريد بعنوان “زيارة إلى فلسطين المحتلة” وتقول الرسالة أنّ الصور المدرجة هي لتل أبيب عاصمة كيان الجحيم، ويطلب نص الرسالة المقارنة مع فلسطين، ولا أدري ما هو المقصود بهذا التعليق، والرسالة شبيهة برسالة أخرى وصلتني سابقاً، تتحدث عن روعة الحدائق في كيان الجحيم، حدائق خلابة المناظر وتمت هندستها بطريقة رائعة، ويقول ماذا كان سيفعل الفلسطينيون بهذه الأرض لو كان لهم حق ادارتها، ملمحين ومشرعين الاحتلال بطريقة غير مباشرة، ضاربين بعرض الحائط حق العودة لملايين البشر بسبب شعور القنوط واللامبالاة الذي يصيب سكان مدن عربية لا يدرك مهندسينها كيف يقومون بتزفيت شارع، بلاد عربية تُخرّج المهندسين والمعمارين والأطباء بالآلاف، ومع ذلك جميعهم صفر على الشمال في بلادهم لكن سبحان الله كيف تتفجر ابداعاتهم في دول ما خلف المحيطات.

كاريكاتير للفنان السوري ياسر أحمد

كاريكاتير للفنان السوري ياسر أحمد

بعيداً عن التعميم ولسنا هنا في محلّ لتبرير الفساد أو اثبات أنّنا نحن أيضاً لدينا مدن نفتخر بها انبثقت من الرمال ووصلت شهرتها لتنافس مدن أوروبية وغربية بالتقدم والتطور، وبعيداً عن الجدال حول ما إذا كانت ضريبة هذا التطور التضحية بالهوية وثقافة السكّان أم لا.

الفكرة [التغني بحضارة العنصرية] بحد ذاتها فيها تحقير للانسانية، أن نتغنى بحضارة الصهاينة المصطنعة من جنسيات لا علاقة لها بالصهيونية وابداعاتهم التي لم تكن لتكون لولا الهجرات المستمرة من قارات متقدمة ومتطورة بأشواط على بلداننا، يعني استيراد مباشر لانسان متطور عقلياً وفكرياً يمكنك مباشرة دمجه في عملية البناء عكس ما يحدث لدينا، اذ أول ما يتخرج الطالب ويثبت تفوقه وتقدمه نحجز له على أول طائرة، ولن ندخل في أسباب الهجرات لأننا جميعاً ندركها.

هل هذا تبرير لتخلفنا، لا أبداً، لكن لا بد من وضع النقاط على الحروف. فتطورهم لا علاقة له بانتماءهم الصهيوني أو حتى دينهم، بل كان نتيجة استيراد مدروس لعقول نشأت في بلدان وقارات متقدمة بأشواط على غيرها.

هل فكر أحدكم في البحث حول اقتصاد ألمانيا النازية؟ هل تعلمون أنّ ألمانيا خرجت من الحرب العالمية الأولى مهزومة تماماً لا بل محطمة وممرغ أنفها في التراب، لا بل فرضت عليها فواتير حرب وعقوبات اقتصادية وتقييد على جيوشها وصناعاتها العسكرية، انهارت الصناعات ودمّر اقتصاد البلد ووصل التضخم إلى مراحل خيالية في سنة 1923، مدمراً الطبقة الوسطى في المجتمع، وصل بهم الأمر إلى تحول أغلب الشعب إلى مشردين، ومن لم يتشرد دخل تحت خط الفقر، ومع قدوم أزمة الاقتصاد الكبرى سنة 1929 التي تشبه ما يحدث للعالم اليوم، تضاءلت آمال انتعاش الاقتصاد وهاجر أفضل العلماء والمهندسين والأطباء ممن توفر لهم فرصة الهرب من هذا الجحيم.

إلى أن وصل للحكم الحزب الوطني الاشتراكي، وهو الحزب النازي، الذي أدخل البلاد في عملية اصلاح اقتصادي أدخلت الجميع إلى العمل، ولكم أن تتخيلو، هذا البلد المحطم خرج من حطامه وتسبب بحرب عالمية تطلب الأمر تحالف أغلب الدول المتقدمة فقط لتهزم هذه الدولة.

هل لكم أن تتخيلو حجم الصناعات والتطور والتقدم المذهل الذي وصلت إليه ألمانيا النازية، لم تترك مجال إلا وتقدمت به، من أنظمة الاتصالات والتشفير إلى الحوسبة إلى الصواريخ إلى الآليات وحتى اعادة الاعمار وتخطيط المدن، حتى دورة الألعاب الأولومبية آنذاك لم يحدث أن تم تنظيمها وتخطيطها من قبل كما تمت في ألمانيا النازية، اقتصاد مرعب خرج من تحت الصفر ووصل إلى حالة تشغيل شبه كامل!!!

هل نتغنى ونبدي اعجابنا بما وصلوا اليه من تقدم؟ نعم من المفيد أن نمعن النظر ونتعلم منهم لكن أن نقول مثلاً: “أنّ ألمانيا النازية تستحق الحصول على فرنسا لأنّ الفرنسيين لم يتمكنوا من الحفاظ على بلدهم ولن يتقدموا مثل ما فعلت ألمانيا من انجازات علمية وصناعية!!”. هكذا تفكير هو تفكير أخرق وغبي.

نعم لقد كانت ألمانيا النازية متقدمة، لكنها ارتكبت بحق البشرية أفظع الجرائم، تسببت بتهجير الآلاف، دمرت المدن وشوهت التاريخ، و “أحرقت” الملايين من البشر فقط لأنهم يدينون بديانة مختلفة، أعادت بلدان بكاملها إلى الوراء خمسين سنة، دمرت الأحلام وحطمت الطفولة.

أيّ حضارة هذه إن لم تحترم انسانية الانسان، هممم، هل تذكركم ألمانيا النازية بكيان يعيش بيننا اليوم، كيان يُدين بشدّة ألمانيا النازية لأنها شوهت ذاكرة شعبه بمجازر لا يمكن للعقل أن يتخيلها ولا يمكن لأيّ انسان أن ينساها.

ما معنى التقدم والحضارة إن كانت قائمة على ارتكاب المجازر والحروب بحق شعب محاصر ومجوّع، ما معنى هذه الحضارة إن كانت تعتبر قتل الطفل هو شكل من أشكال الدفاع عن النفس، ما معنى هذه الحضارة إن كانت تتفنن في تشويه التاريخ وقلب الحقائق وانكار حقّ الحياة لبشر مثل أيّ بشر آخرين، محتلة الأراضي، مدمرة المدن وماسحة القرى عن وجه الأرض، مهجّرة الملايين، هذه الحضارة، مريضة، ومعقدة نفسياً، لا تستطيع تجاوز الألم ولا تعرف كيف تبني الحياة، فحياتها مستمرة بتدمير حياة الآخرين، تماماً كالفيروسات والطفيليات.

اللوبي الفرانكفوني في الجزائر!!!.

فبراير 1, 2009

استفزّني وبشدّة مقالٌ في مدونة بلا فرنسية* [عن جريدة الشرق الأوسط] أشار إليه صديقي حمود من الجزائر، المقال يتحدث عن حال اللغة العربية في دول المغرب العربي الكبير [تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا، باستثناء ليبيا]، حال وصلت إلى تدخل رؤساء الدول لتجميد قرار استعمال اللغة العربية!!، يعني هل هناك أزمة هوية أكبر من هذه الأزمة، أمم لم تستطع بعد الانتهاء من أهم أسس وقواعد نهضتها، لم تُعرّف بعد هويتها؟، هل نحن عرب أم لا؟ هل علينا التكلم بالعربية أم الفرنسية أم الانكليزية.

لماذا يتم وصف كل من يعشق هويته ويعتبرها جزء من الإرث الإنساني ويسعى للحفاظ عليها مطالباً أهله بأن يتحدثوا معه بالعربية! بالعنصري والمنغلق على ذاته!!؟ بينما خارج حدود الوطن العربي فهو إنسان يستحق نضاله أن يُدعم من قبل حكومات أجنبية!!

لماذا يحق للفرنسي حماية لغته والجزائري يتعرض للعزل والتضييق لا بل يوصم بالتخلف والأصولية والظلامية فقط لأنه يودّ حماية لغة أهله الذين بذلوا أكثر من مليون شهيد، مليون، يعني ألف ألف شهيد، مزقت أشلائهم وسحقت عظامهم لأجل إعلاء لغة الضاد، لغة القرآن!!!.

ويشير المقال تعقيباً على ذات النقطة:

ومن الغريب أن الفرنسيين الذين يحاربون قانون العربية بالجزائر لهم قانون حماية اللغة الفرنسية الصادر في 1994، بمناسبة ذكرى مائتي سنة لقانون تعميم استعمال اللغة الفرنسية، الذي أصدرته الثورة الفرنسية سنة 1794، والقانون الجديد أكثر صرامة من قانون الجزائر، وقد وضع لمواجهة غزو اللغة الإنجليزية والذي أخذ اسم قانون «توبون»، نسبة إلى وزير الثقافة السيد جاك توبون الذي كان وراء صدوره. ومن الغريب أيضا أن الفرنسيين الموحدين لغويا في فرنسا يعملون على تعدد اللغات بالمغرب العربي، ويقولون إن في الجزائر وفي أقطار المغرب العربي أربع لغات: العربية الفصحى، والعربية الدارجة، والبربرية، والفرنسية. أما في فرنسا التي توجد بها ست لغات جهوية** أكثر عراقة من اللغة الفرنسية فالدولة ترفض الاعتراف بها، وآخر قرار صدر من مجلس الشيوخ الفرنسي يوم 18 يونيو (حزيران) 2008 يرفض الاعتراف باللغات الجهوية التي تهدد، في رأيه، الوحدة الوطنية الفرنسية، التي تكون حمايتها من وحدانية اللغة.

يا أخي اللغة صوت، اللغة هوية، كيف يمكن لإنسان متحضر ومثقف و واعي أن يقلل من أهمية الحفاظ على الهوية، يعني إذا كان صوت إحدى العصافير يعلو وأصبح هو رمز العلم والثقافة هل علينا أن نجعل جميع العصافير تغرّد بذات الصوت!!.

أتخيل موقفي أمام قوافل الشهداء الذين ضحّوا بحياتهم لأجل استقلالنا هوية وثقافة ولغة، ماذا نقول لهم؟ والله يا شباب أصبح لدينا لغة مصرية، ولها موسوعة! تخيّلوا، ونفكر أيضاً بإلغاء العربية من مناهج التدريس، معلش لا تزعلوا، ليس ذنبنا؟ لا أحد يترجم الكتب العلمية؟ شغلة طويلة يا رجل، لكن سجّلوا عندكم أننا ترجمنا رواية دافنتشي وبزمن قياسي كانت في مكتباتنا!!، مممم وهناك شيء آخر، أصبحنا نعتبر أنّه من حقنا التكلم باللغة الانكليزية وسندافع بدمائنا عن هذا الحق في وجه كل من يدعو [يدعو من دعوة يعني Invitation!!] للحديث باللغة الأم، حرية شخصية يا أخي!.

* المدونة لا تطالب بإلغاء الفرنسية بل تطالب الحكومة العضو في الجامعة العربية بالتحدث مع الجماهير العربية بلغتها!!

** جهوي = محلّي.