أرشيف مايو, 2007

مرآة الزمن…

مايو 30, 2007

هل شعرت يوما بأنك تمر بالزمن كما لو كان ثانية واحدة…

ما زلت أذكر ذلك الطفل ذو الخمس سنوات، أذكره بينما تطعمه والدته، محيراً اياها بأصناف الطعام الذي يريده، فكل شيء جديد بالنسبة له، رائحة الطعام جديدة، وألوانها جديدة، وطعام والدتي كان ولا زال جداً لذيذ، وما إن أنتهي من الطعام حتى تمسح لي فمي بمنديل ناعم, ثم تنهض وتأخذني إلى المغسلة.

فترفعني كي تصل يداي الصغيرتان إلى صنبور الماء، وتبدأ بغلسهما، أتذكر طعم الصابون وهو يدخل فمي، وأتذكر صوت أساورها، تصطك ببعضها تحت الماء، مصدرة صوتاً هادئاً، رقيقاً..

كان هناك مرآة كبيرة فوق حوض المغسلة، عندما أقف على قدمي، لا أرى سوى جزء من شعري، وعندما أقفز، كنت أرى وجهي للحظات ثم أعود إلى الأرض.

في أحد الأيام، قررت أن أرى نفسي كاملاً على المرأة، أردت أن أشعر بشعور الكبار حين وقوفهم، فأحضرت كرسياً ووقفت عليه ثم نظرت إلى نفسي بفرح، بدأت أبتسم وأضحك، آه ها أنا ذا.

وإذ بي أتوقف عن الضحك، فلقد رأيت عيني، اللتان طالما سمعت الناس يتكلمون عنهما، كانت غريبة تلك الحدقة، شعرت بأنني أرى شخصا ما بداخلها، وفي تلك اللحظة تمنيت بكل ما لدي من قوة: “ربي اجعلني كبيرا، ودعني أرى نفسي كاملا على المرآة، دون كرسي”.

سنوات مضت، وهموم ومشاكل تراكمت، أفراح كانت أو أحزان، فقد ذهبت دون عودة، هي اثنان وعشرون عاماً مضت على وجودي في هذه الأرض، وكالعادة توجهت لأغسل يدي، بعد الطعام ودون أي تعب فتحت صنبور الماء، وغسلت يدي، وفمي، وأثناء تجفيفي لوجهي، أخذت أنظر إلى المرآة و أقوم ببعض الحركات السخيفة، وفجأة شعرت بموجة حرارة تجتاح جسدي، ثم أحسست بدمي قد تجمد في عروقي، تلا ذلك قشعريرة خفية سرت في أضلاعي.

كأنني أعلم هذه اللحظات، تشعر بشعور بأنك فقدت توازنك كما يحدث عند بداية نزول المصعد، ويبدأ عقلك بالعمل، على مطابقة الصور قبل أن تذهب اللحظة، لا تريد أن تفوتك هذه اللحظة، تريد أن تتذكر متى شعرت بهذه اللحظة، فأنت تعلم أنك قادر على التذكر، إلا أنك تحتاج إلى مزيد من الوقت، لا تتحرك، لا تغير شيء، صورة بعد صورة، صوت بعد صوت، ومضات من الماضي، هيا، هيا، أين أنت يا عقلي حين أحتاجك.

وأخيراً توقفت، لأنظر في انعكاس حدقة عيني، وإذ بي أبتسم لقد أدركت ما الذي حدث:

لقد كبرت، فلماذا صَغرت أحلامي.
_______________
Read it in English

سليمان العيسى و “أطفال عم يكبروا”…

مايو 28, 2007

كالعادة بعد ان استيقظت، نظرت إلى طاولة الدراسة وبدأ عقلي مباشرة بالتفكير، كيف أستطيع الهروب من الدراسة بطريقة شرعية؟، لم يكن هناك أفضل من حجة الغداء، كون الساعة قاربت الثانية ظهراً، نهضت وشاهدت والدتي وهي تطبخ ساعدتها وسكبت صحناً لي، انتهيت، ماذا بعد، آه، كأس من الشاي، هل أستطيع الدراسة قبل أن أشرب كأس من الشاي، صنعت لنفسي كأس من الشاي وتوجهت إلى غرفة المعيشة أدرت التلفزيون على محطة تبث برنامج يتناول آخر فضائح الأمريكيين، هذه تزوجت، هذه تطلقت، هذا مخمور، وذلك مخدر، هذه اغتصبت، هذا خان زوجته، إلخ.

مللت من أخبارهم وبدأت بتبديل المحطات، طبعاً الفضائية السورية رقمها 9 في مفضلتي، وما أن أصل لهذا الرقم أبقى فترة لا تتجاوز أجزاء من الثواني وفوراً أبدل المحطة، كان يعرض برنامج للصغار، اسمو عم يكبروا، وبالرغم من أجزاء الثواني إلا ان ضغط دمي ارتفع، وفوراً بدلت المحطة، وصلت إلى نهاية القائمة والآن علي العودة.

في أثناء العودة وقفت ثوان أخرى على الفضائية السورية، وأنا مقتنع بأني سأبدل المحطة، ولكن شاهدت وجهاً لطيف ، آه إنه سليمان العيسى، كيف هذا، مالذي يحدث هنا، هذا غريب، كيف قاموا باستضافته، هذه خطوة ذكية، هممم، تابعت حديثه بشوق، فأنا مثلي مثل كل الشباب والصبايا السوريين ندرك تماماً من هو سليمان العيسى وكيف رافقنا خلال مرحلتنا الابتدائية، وكيف كنا نغني قصائده بكل فرح.

حديثه لا يمل أبداً، عجوز، لكن لديه قلب مليء بالشباب، وقدرته على الجلوس بين أطفال برنامج عم يكبروا والحديث معهم، والرد على أسئلتهم التي كانت كسيل المطر، لهو دليل على سعة صدره، ولطافة روحه.

كنت أصغي باهتمام شديد إليه، وما إن يقاطعه أحد الأطفال، انظر بغضب إليه، تحدث سليمان العيسى عن حياته، وعن موطن ولادته في قرية جانب انطاكية، التي هي الآن في لواء اسكندرون المقتطع لجيراننا الأتراك، بعد اتفاق خبيث بين فرنسا والحكومة التركية آنذاك.

كان هناك بعض المنغصات في البرنامج، مثلاً وجود طفلة واحدة جالسة والآخرين واقفين، ثم كانت تلك الفتاة التي على اليسار، والعلكة في فمها، أو الطفل الذي يسأل سؤال للشاعر ثم يقاطعه بسؤال آخر قبل ان ينتهي.

منغصات لكن لم تقتل جمال اللقاء، ففي النهاية استطاعت الفتاة الجالسة وببراعة ادراة الفقرة الأخيرة من الحوار بالتحدث حول كتب سليمان العيسى المخصصة للأطفال والتي تتحدث عن الشعراء، بصراحة فوجئت بانها قرأتهم، أتوقع لها مستقبل نير.

أكثر ما أعجبني هو سؤال الفتاة للشاعر عن قصيدة عمي منصور النجار، فقالت له من هو منصور؟

أجابها: منصور هو نجار كان في حارتنا، حيث أرشدت إليه فتاة صغيرة ليصنع لها منزلاً خشبياً للعبتها…من هذه القصة الواقعية البسيطة أنتج قصيدة أصبح الأطفال السوريون يرددونها بكل فرح.

وكان اسلوب تصويره لقصائده جداً رائع بالرغم من بساطة الأحداث الناتجة عنها، وخصوصاً عندما قام بتصوير الخريف، وتحدث عن حادثة رؤيته لطفل في أبو رمانة بدمشق، يمشي مع والدته على الرصيف المليء بأوراق الشجر، فيقوم الطفل بالقفز فوق الأوراق لجعلها تتطاير وتطفو…هذا هو الخريف بنظر سليمان العيسى.

أو عندما اصطحب طفله على ظهره، فنظر الطفل إلى القمر وقال له، اعطيني القمر لألعب فيه.

بالرغم من عدم حفظي لأشعار وقصائد سليمان العيسى، إلا أن مجرد ذكر اسمه يبعث في نفسي ذكريات جميلة، حيث ترافق اسمه مع لحظات سعيدة في حياتي، وهي عندما كنت طفلاً، كانت المعملة تغني ونغني وراءها تلك القصائد الرائعة.

طبعاً لم ينسى سليمان العيسى التحدث عن مدينة حلب (مدينتي)، التي وصفها بزهرة عمره، حيث قضى عشرين عاماً فيها، وتزوج فيها، وولد أولاده فيها، وكتب نصف أشعاره فيها، وأنا أقول له، إن مدينة حلب لن تنساك أيضاً.

نهاية اعتقد أنها خطوة ايجابية جداً من جانب ادارة الفضائية السورية، أتمنى ان يتابعوها، وهي استضافة أشخاص لهم الأثر الكبير على الأطفال في برنامج على الهواء، وبالطبع لا أحد يستطيع أن ينكر تطور القناة الفضائية ولو بخطوات خجولة بالرغم من انها حكومية وتمويلها ضعيف مقارنة بغيرها.

أما بالنسبة للأطفال مقدمي الحوار، ليس هناك صعوبة لو تم تدريبهم، وتعليمهم كيفية ادارة الحوار، والتحدث، وأعتقد أن المرة الثانية ستكون أحسن من الأولى وهكذا دواليك.

بالتوفيق جميعاً.
علوش.

اعتقد انه لا مفر من الدراسة الآن.

آه لحظة: إذا كنت ترغب بقراءة ديوان سليمان العيسى أو أي شاعر آخر فقط اضغط هنا